المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحابى الجليل أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه


Eng_Badr
13-07-2010, 12:22 AM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
الصحابى المجنى عليه
أبو هريرة


صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

1 – اسمه ونسبه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

اختلف في اسم أبي هريرة رضي الله عنه قبل إسلامه على أقوال، فقيل: عبد شمس بن صخر، وقيل: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل غير ذلك، كما اختلف في اسمه بعد إسلامه على أقوال أيضاً، أشهرها: عبد الرحمن بن صخر، فقد روي عنه أنه قال: كان اسمي في الجاهلة : عبد شمس بن صخر، فسماني رســـــول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن(الحاكم: المستدرك 3/507، وابن حجر: الإصابة 4/202، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/205 وما بعدها.)، وأياً كان اسمه فقد غلبت كنيته (أبو هريرة) على اسمه، وأصبح لا يعرف إلا بها، ولا تنصرف عند إطلاقها إلى إليه.وقد روي عنه في سبب تكنيته بذلك أنه قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجر، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها فكنوني أبا هريرة (الترمذي: السنن 5/350، والحاكم: المستدرك 3/506)

وأما نسبة فيذكر المؤرخون أنه من قبيلة دوس الأزديه اليمانية، وقد توفي سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقد ضعف القول الأخير الحافظ الذهبي، واعتمد الأول الحافظ ابن حجر، وكانت وفاته بالمدينة المنورة، وقيل: بالعقيق، فحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع، وكان من المشيعين له رضى الله عنه: عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما.( الحاكم: المستدرك 3/508، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/262-627، وابن حجر: الإصابة4/210، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/209-210، والعقيق يبعد نحو عشرة أميال من المدينة المنورة).



2 – إسلامه وصحبته


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


أسلم أبو هريرة رضي الله عنه عام خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة، وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: "شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر… الحديث" ( البخاري 5/74)


وعن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال:"خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا… الحديث"(البخاري فتح 6/225، ومسلم شرح النووي 1/42-43، وأحمد 15/225.)

كما شهدنا غيرها من المشاهد بعدها، وبذلك قد حاز فضل الجهاد في سبيل الله تعالى إلى جانب شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ صحبه منذ ذلك اليوم إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وهي مدة تزيد على أربع سنين(مسلم بشرح النووي 2/128)، لازمه فيها ملازمة تامة تفرغ فيها للأخذ عنه، والتعلم منه، فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدور معه حيث دار، وينتقل معه حيث ينتقل، لا ينفك عنه سفراً ولا حضراً، إذ لا يشغله عن ذلك بيع ولا شراء ولا رعاية أموال.

صح عنه أنه قال : "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت أمراً مســكيناً أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً، فقال : "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئاً سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضها إلي، فوالذي نفيس بيده ما نسيت شيئاً سمعته منه بعد" (البخاري 4/247 – البيوع، ومسلم بشرح النووي 16/52-53 فضائل الصحابة، واللفظ للبخاري.)
وبهذا نرى أن أبا هريرة رضي الله عنه قد غمرته بركة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمته له، وخدمته إياه، حيث رزقه الله تعالى ببركة تلك الصحبة حفظ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم نسيانه.



3- حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خدمته له


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
كان أبوهريرة رضي الله عنه شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قوي الثقة به، يتقرب إليه بما يرضيه صلى الله عليه وسلم، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويسوؤه النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان من أقرب الناس إليه، فقد صح عنه أنه قال: "كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابكي، قلت : يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهد أم أبي هريرة".

فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت : يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك،


وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً… الحديث" ( مسلم بشرح النووي 16/51-92 فضائل الصحابة، وابن حبان 8/142، واللفظ لمسلم).

وهذا الحديث يرينا إلى جانب حب إبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبكائه عند النيل منه، تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بإجابة طلبه بالدعاء لهداية أمه التي هداها الله تعالى ببركة ذلك الدعاء، مما ضاعف سرور أبي هريرة، وفرحه وبكائه لذلك.
وكان يعبر عن حبه للرسول صلى الله عليه وسلم بمثل قوله : "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صور ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر" .( البخاري 2/54، ومسلم 2/158، واللفظ للبخاري).

وقوله: سمعت خليلي يقول:"تبلغ الحلية من المؤمن إلى حيث يبلغ الوضوء". (أحمد: المسند 17/27، والمراد بالحلية: النور).
كما كان يعبر عنه بالحرص على ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخدمته حيث كان لا يدع فرصة لخدمته صلى الله عليه وسلم إلا اغتنمها، فمن ذلك: أنه كان يحمل إداوة وضوئه صلى الله عليه وسلم إذا أراد الوضوء، فقد أخرج البخاري عنه أنه كان يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟" فقال: أنا أبو هريرة، قال: "ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة" فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت…الحديث" (البخاري 2/240، والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، ابن الأثير النهاية 1/33.)



ومن ذلك: ما رواه أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء، فأتيته بتور فيه ماء، فاستنجى، ثم مسح يده في الأرض، ثم غسلها، ثم أتيته بتور آخر، فتوضأ به" ( أحمد: المسند 15/239، والتور: إناء من صفر أو حجارة، النهاية 1/199.)
ومنه أيضاً ما رواه مجاهد عن أبي هريرة قال: "مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرف ما في وجهي من الجوع، فقال: "أبو هريرة؟" قلت : لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت فوجد لبناً في قدح، فقال: "من أين لكم هذا؟" قيل: أرسل به إليك فلان، فقال: "يا أبا هريرة انطلق إلى أهل الصفة فادعهم" وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئاً، وإذا جاءته هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني إرساله إياي، فقلت: كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وما هذا اللبن في أهل الصفة، ولمن يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فأقبلوا مجيبين، فلما جلسوا، قال: "خذ يا أبا هريرة، فأعطهم" فجعلت أعطي، فيشرب حتى يروى، حتى أتيت جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلي مبتسماً، وقال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "فاشرب" فشربت، فقال: "فاشرب" فشربت، فقال: "فاشرب" فشربت، فما زال يقول: اشرب، فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً فأخذ فشرب من الفضلة"(الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/591-592، وأصل هذه الرواية في البخاري 7/179-180 كتاب: الرقاق، والصفة هي المكان الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم، في مسجده الشريف لإيواء فقراء المهاجرين.)



تعكس لنا هذه الرواية وما قبلها من روايات حرص أبي هريرة رضي الله عنه على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته، كما تعكس لنا مدى اعتماده صلى الله عليه وسلم وإيثاره لهم على نفسه، حيث لم يشر مما أهدي إليه من لبن مع حاجته صلى الله عليه وسلم إليه إلا بعد أن شربوا منه جميعاً، وشبعوا بفضل بركة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا مستغرباً من الرحمة المهداة، وصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم.



4- علمه وفضله



[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

كان أبو هريرة رضي الله عنه من علماء الصحابة وفضلائهم، يشهد لذلك رواية كثير منهم عنه، ورجوعهم غليه في الفتوى، فقد روى عنه من الصحابة: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والمسور بن مخرمة، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من التابعين قبيصة بن ذؤيب، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وابن سيرين، وعكرمة، ونافع مولى ابن عمر، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم من التابعين رضي الله عنهم.(الحاكم: المستدرك 3/513، الذهبي : سير الأعلام النبلاء 2/580-585.)

قال البخاري رحمه الله : روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر.(الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر الإصابة 4/205.)

وكما رووا عنه فقد رجعوا إليه في السؤال والفتوى، ومنهم من قدمه في ذلك ووافقه فيما قال.

قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، : أنه كان جالساً مع


ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجل طلق ثلاثاً قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس، وكانا عند عائشة، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها، حتى تنكح زوجاً غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك، (مالك : الموطأ 2/57، والشافعي : المسند 2/36، بلفظ : تبتها.)

وعن الزهري، عن سالم، أنه سمع أبا هريرة يقول: سألني قوم محرمون عن محلين أهدوا لهم صيداً، فأمرتهم بأكله.(مالك : الموطأ 1/351-352.)

وعن زياد بن مينا، قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر مع أشباه لهم، يفتون بالمدينة عن رسول الله صلى عليه وسلم من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، قال: وهؤلاء الخمسة إليهم صارت الفتوى. (الذهبي : سير أعلام النبلاء 2/606-607.)

وقال الذهبي: وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة.(المصدر نفسه 2/609.)





5-عبادته وتقواه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

عرف أبو هريرة رضي الله عنه بالعبادة والتقوى، وكل ما يقربه إلى الله تعالى، كيف لا يكون كذلك، وقد صحب الأسوة الحسنة في العبادة، ورآه كيف كان يجهد نفسه فيها، حتى تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم، فكان يكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقيام الليل.

فعن حماد بن زيد عن عباس الجريري قال: سمعت أبا عثمان النهدي قال: "تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يرقد ويوقظ هذا، قال : قلت : يا أبا هريرة كيف تصوم؟ قال: أما أنا فأصور من أول الشهر ثلاثاً، فإن حدث لي حادث كان آخر شهري". ( أحمد: المسند 16/260.)

وعن ابن جريج قال: قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء، فجزء لقراءة القرآن، وجزء أنام فيه، وجزء أتذكر فيه حديث رسول الله.(ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.)

وصح عنه أنه قال:"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"( البخاري 2/247).



وعن حماد بن سلمة، عن هشام بن سعيد بن زيد الأنصاري، عن شرحبيل أن أبا هريرة كان يصوم الأثنين والخميس.(الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/610.)

وكان إلى جانب ذلك كثير التسبيح، والحمد لله تعالى على نعمة الإسلام وغيرها من النعم التي أنعم بها تعالى عليه، كما كان شديد الخوف من الله تعالى، كثير التحذير من النار، أعاذنا الله منها.

فعن ميمون بن ميسرة، قال: "كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم: أول النهار وآخره، يقول: ذهب الليل، وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النار"(الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611.)

وروي عن ابن المبارك: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أمسيت في صعود، ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. (المصدر نفسه 2/625.)
وروي عنه أيضاً: أن أبا هريرة قال: "لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً". وقال ابن كثير: "وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم". ( ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.)




6-تواضعه وكرمه وطيب أخلاقه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


عرف أبو هريرة بتواضعه الجم في كل مراحل حياته، فلم ينس ماضيه بعد أن منّ الله تعالى عليه بنعمة العلم والجاه والفضل، كمن يحاولون نسيان ماضيهم إذا طابت أيامهم ووسع الله عليهم، وإنما كان يستحضر ماضيه، وما عانى فيه من فاقة وحرمان، ليشكر الله تعالى على نعمة الدين وغيرها من النعم التي أسبغها عليه، ويستزيد بذلك من نعمه تعال، فقد روي عنه أنه قال: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطنى، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، واحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وأبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه، وحمولة رجله.( الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611، وابن كثير: البداية والنهاية 2/113).

قال الذهبي: وكان من أوعية العلم مع الجلالة والعبادة والتواضع.( الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/34ن ولعله أراد بقوله: إماماً، إمامة العلم والفتوى.)

وكان مع تواضعه كريماً، وكيف لا يكون كذلك وقد صحب من كان أجود من الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نضرة العبدي عن الطفاوي قال: نزلت أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تشميراً، ولا أقوم




على ضيف منه. (الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/35، وسير أعلام النبلاء 2/593، والطفاوي: صحابي من أهل الصفة، أبو نعيم الحلية 1/375).
ولعله أراد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضافه منهم، كما يفهم من كلامه لا كلهم، لأن فيهم أبحراً لا تدرك سواحلها في الجود والكرم، ومع تواضعه وكرمه كان دعوباً خفيف الظل، صريحاً فيما يقول، لا يحمل لأحد حقداً، ولا يتطلع إلى ما عند غيره، راضياً بما عنده، شاكراً لله تعالى عليه.

فقد روي عنه أنه قال: "الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء".( الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/610.)








7-بره بأمه وحب الناس له


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


هريرة – وأمّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّب إليهم المؤمنين… الحديث" .( مسلم بشرح النووي 16/52.)
قال ابن كثير: وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته.( ابن كثير: البداية 8/108.) أي بما روي عنه من روايات.




كان أبو هريرة باراً بأمه، وكان من بره بها: اصطحابه لها في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مشركة، رجاء أن تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حقق الله تعالى رجاءه حيث أجاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبه بالدعاء لأمنه فآمنت، وفرح بذلك فرحاً شديداً أبكاه كما مرّ.

وكان من بره بها أيضاً، ما روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد، فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت: الجوع، فقالوا : ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما جاء بكم بهذه الساعة"؟، فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: "كلوا هاتين التمرتين، واشروا عليهما من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا"، فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى، فقال: "يا أبا هريرة لم رفعتها"؟، قلت: لأمي. قال: "كلها فسنعطيك لها تمرتين" .( ابن سعد: الطبقات 4/329، والذهبي: سيرا أعلام النبلااء 2/592.)

ومن برّه بها، ما روي عن ابن شهاب الزهري: أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. (ابن سعد: الطبقات 4/329.)




لهذا ولغيره من المعاني والصفات الحميدة التي كان يتحلى بها أبو هريرة، ولبركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالمحبة، رزق القبول والمحبة من قبل معاصريه من المؤمنين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

فقد روي عنه في طلب الدعاء لأمه بالإيمان، أنه قال: "قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا" قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله حبب عُبيدَك هذا – يعني أبا



8- حرصه على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

ظهر من سلوك أبي هريرة العملي ما يدل على حرصه الشديد على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به فيما قال وما فعل امتثالاً لقوله تعالى: [ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ] [ الحشر7].

واستجابة لدواعي الحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ملأ قلوب أصحابه رضي الله عنهم، وملك كل عواطفهم وجوارحهم، ومنهم أبو هريرة الذي كان شديد الحرص على اتباعه صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولعل في الأمثلة الآتية ما يؤكد ذلك:فمن ذلك: ما روي عنه أنه قال :"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوع على وتر".(تقديم تخرجه.)
ومن ذلك: ما روي عنه أنه قال:"أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد، وكان يكبر إذا ركع، وإذا رفع رأسه، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر".
( أحمد: المسند 16/111.)


ومن ذلك: ما روي عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء".
وقال أبو هريرة:"لقد كنت أستن قبل أن أنام وبعد ما أستيقظ، وقبل ما آكل، وبعد ما آكل، حين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قال".( أحمد: المسند 18/16.)
ومن ذلك أيضاً: ما رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بقوم، وبين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير.( البخاري 6/205 – كتاب الأطعمة.)

وفيما تقدم من أمثلة دلالة كافية على مدى اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم واقتدائه به قولاً وعملاً وسلوكاً.





9- أقواله وحكمه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

رويت عن أبي هريرة رضي الله عنه أقوال وحكم ومليئة بالعظات والمعاني الدالة على قوة إيمانه بالله وباليوم الآخر، وما يكون فيه من حساب وثواب وعقاب، وعلى سعة إدراكه وفهمه لتعاليم الإسلام وأبعاده، ومعرفته بالدنيا وزهده فيها، وسنقتطف طائفة من تلك الأقوال، لنقف على ما فيها من عمق المعاني، وبليغ العظات:
1-فمن ذلك قوله لأبي سلمة بن عبد الرحمن حين دعا له بالشفاء: "يا أبا سلمة إن استطعت أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليوشكن أن يأتي على العلماء زمن يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، أو ليوشكن أن يأتي على الناس زمان يأتي الرجل قبر المسلم فيقول: وددت أني صاحب هذا القبر".( ابن سعد: الطبقات 4/337.)

2 -وقوله فيما رواه أبو المتوكل: "إن أبا هريرة كانت له زنجية قد غمُّتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً، فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكن سأبيعك، ممن يوفني ثمنك، اذهبي فأنت لله". ( أبو نعيم: الحلية 2/384، وابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692)
3-وقوله: "إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم، يعني الأموال والشهوات".


4-وقوله فيما روي عن معمر:"أنه كان إذا مرت به جنازة قال: روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون، موعظة بلغية، وغفلة سريعة، يذهب الأول، ويبقى الآخر لاعقل له". ( ابن كثير: البداية 8/114-115.)
5-وقوله حين قال له رجل من أهل المدينة بنى داراً: ما أكتب على باب داري؟، فقال: اكتب على بابها، ابن للخراب، ولد للثكل، واجمع للوارث. ( أبو نعيم: الحلية 2/385.)
6-وقوله: "ما وجع أحب إلي من الحمى، لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الوجع، وإن الله تعالى يعطي كل مفصل قسطه من الأجر".( ابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692).
7-وقوله في مرضه: "اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي". ( الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/625، وابن كثير: البداية والنهاية 8/118.)
8-وقوله لابنته: "لا تلبسي الذهب، فإني أخشى عليك اللهب".

وقد نهاها عن لبس الذهب ورعاً، وربما لأن لبسه قد يؤدي إلى الترف، المفضي أحياناً إلى الفتور عن العبادة، والتقصير في الطاعة، وإلا فإن التحلي به للنساء جائز شرعاً. عنده وعند غيره من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمة فيما نعلم، ما لم يكن للفخر أو الاختيال، فإنه يحرم، كمن جر ثوبه خيلاء. (الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/629).




10-رواياته وحفظه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمن فقد رُوي عنه نحو خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً مسنداً،( الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/632، وابن حجر: الإصابة 4/205.)
وتعود كثرة رواياته وحفظه لها إلى أمور:

1-صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم مدة تزيد على أربع سنين، وهي مدة كافية لحفظ ما حفظ من أحاديث في العادة، بل لأكثر منها. من قِبل من يتفرغ فيها للأخذ والحفظ.
2- أخذه لكثير من تلك الروايات عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما التي فاته سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، كأبي بكر وعمر والفضل ابن عباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وغيرهم.( ابن حجر: الإصابة 4/205.)

فقد عايش هؤلاء وغيرهم من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً غير قليل، وعليه فلم يكن مصدر رواياته كلها الرسول وحده، كما لم تكن مدة أخذه لها وحفظه إياها منحصرة بمدة صحبته له صلى الله عليه وسلم كما ظن الجاهلون ذلك، وإنما تعدتها إلى عهد الصحابة الذين عاشوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.


3– تفرغه للعلم والحفظ، كما مر.( مر في : إسلامه وصحبته).
4 – تأخر وفاته إلى ما بعد سنة خمسين هجرية، وكما توفي قله أكثر علماء الصحابة وحفاظهم رضي الله عنهم، ولم يبق بعده إلا القيل منهم، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة وآخرين رضي الله عنهم. في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى علم الصحابة رضي الله عنهم نظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وازدياد الداخلين في الإسلام، وكثرة الباحثين عن العلم من أولاد الصحابة وغيرهم ممن عنوا بعلم الصحابة باعتبارهم المراجع الوحيدة والأمينة التي تصلهم مباشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما من عرف منهم بالحفظ والملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.

شهادة أهل العلم له بالحفظ:
لهذه الأمور، وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كان من أحفظ الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم حديثاً.
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه. (الترمذي: السنن 5/348، والحاكم:المستدرك3/511، بلفظ: وأعلمنا بحديثه.)



وأخرج أيضاً عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال:" لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع..الحديث". ( الترمذي: السنن 5/348-349.)
وروى الحاكم: أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شئ، فقال: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكر ربنا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل الذي سألك صاحباي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آمين) فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".( الحاكم: المستدرك 3/508.)
وقال الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة من أحفظ الصحابة.( ابن حجر: الإصابة 4/205).
وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. (الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر: الإصابة 4/205.)
وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث.(ابن عبد البر: الاستيعاب بهامش الإصابة 4/208-209.)

وعن محمد بن عمار بن عمرو بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.( البخاري: التاريخ 1/186)
وقال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره.
وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين. ( ابن حجر: الإصابة 4/206.)
وقال الحاكم: قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ. (الحاكم: المستدرك 3/512).
وكفى بشهادة هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من أعلام علماء الأمة على كثرة روايته وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
.




11- عدالته وضبطه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


لقد ثبتت العدالة لأبي هريرة رضي الله عنه بتعديل الله عز وجل العام لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بالآيات والأحاديث السابقة غيرها مما لم نذكره هنا خشية الإطالة، وذلك لما كانوا عليه من صدق الإيمان وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاموا به من جهود وتضحيات، لنصرة الإسلام وإعلاء كلمته.
قال الخطيب: على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شئ مما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم.( الخطيب: الكفاية 94.)
ولم يثبت من خلال سيرة أبي هريرة ما ينافي ذلك من ردة أو كذب، أو نفاق، أو غير ذلك، مما نعيذه بالله تعالى منه، ومما يؤكد ذلك: رواية من ذكرنا قبل قليل من الصحابة والتابعين الذي بلغ عددهم المئات عنه.
كما أن العدالة تثبت عند علماء الجــرح والتعديل للراوي من غير

الصحابة رضي الله عنهم، برواية عدلين عنه وتوثيقهم له، ومنهم من اكتفى بتعديل واحد له. ( الخطيب: الكفاية 94.)
فكيف بمن روى عنه أكثر من عشرين صحابياً، ومئات من ثقات التابعين رضي الله عنهم، ووثقوه، من ذلك ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله لأبي هريرة: "أنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه" وقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع".
وما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال لرجل سأله عن شئ: "عليك أبا هريرة".
لهذا لكه أجمع العلماء من المحدثين وغيرهم على تعديله مع غيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقبول ما صحت نسبتها إليه من روايات، أما ما لم تصح نسبتها إليه فهي مردودة لا يحتج بها مثل غيرها من الروايات الضعيفة والموضوعة المنسوبة إلى غيره من الصحابة من آل البيت وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
وعليه فلا التفات إلى التشكيك بهن أو بما صحت نسبته إليه من روايات من قبل من توارثوا سوء الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم، ومن رددوا مفترياتهم من الجاهلين بسيرة هذا الصحابي الجليل، والمستخفين بشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم بذلك ما لم يقدم مثله أو قريباً منه لهذا الدين المتقولون عليه وعلى غيره من سلف الأمن الصالح وعلمائها المخلصين.





وإذا كانت العدالة قد تحققت لأبي هريرة بكل الاعتبارات المتقدمة، فإنه قد تحقق له أيضاً: الضبط التام لرواياته، وقد شهد بذلك تلاميذه وغيرهم من المختبرين لحفظه وضبطه.
روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي … الحديث" : (أحمد:المسند15/109، والبخاري: بفتح الباري6/350، ومسلم2/87، واللفظ لأحمد ومعنى تسوسهم: تتولى أمورهم)
أي أنه لم يزد فيه ولم ينقص منه على مدى المدة المذكورة.
وروى الحاكم عن كاتب مروان بن الحكم أمير المدينة قال: "إن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر".( الحاكم:المستدرك3/510، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.)
وكان ذلك من مروان اختباراً لحفظ أبي هريرة رضي الله عنه كما يبدو، ولم يكن الإملاء عنه بعلمه كما هو واضح، ومما يشهد لتمام حفظه وضبطه ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:"يا أبا هريرة أن كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه". ( الترمذي 5/348، والحاكم: المستدرك 3/511، بلفظ وأعلمنا بحديثه.)

وما روي عن الأعمش عن أبي صالح قال: "كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". (الحاكم: المستدرك 3/509)

فهذه الروايات وغيره من الروايات المتقدمة الدالة على حفظه جعلت العلماء يثقون بحفظ أبي هريرة وضبطه، ويعتنون برواياته، وكان من عنايتهم بها موازنتهم بين أسانيدها من حيث التفاوت في الصحة، إذ رويت عنهم في ذلك أقوال:

فقيل: "أصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وقل أبو الزناد، عن الأعرج عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة".

ومنهم من قال: "إن أصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة".

وقال أحمد بن صالح المصري: "أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة"

وقال أبوبكر البرديجي:"أجمع أهل النقل على صحة أحاديث الزهري عن سالم، عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة". (الحاكم: معرفة علوم الحديث 55، والسيوطي: تدريب الراوي 1/46-48.)



وأياً قيل، فإن هذه الأقوال تدل على أهمية روايات أبي هريرة واهتمام المحدثين الواضح بها: حفظاً ووعياً وتدويناً حيث أخرجها أئمة المحدثين في كتبهم، فالكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة والمتداولة، اعتمدت روايات أبي هريرة بلا نكير عندهم، فلا تكاد تجد باباً إلا وله فيه حديث أو أكثر.


12-مسلكه في الرواية


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
إن المتأمل فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أحاديث يجده أنه قد سلك في روايته فها مسلكين رئيسيين:

المسلك الأول:هو الرواية المجردة للأحاديث النبوية:

وهي التي يقتصر فيها على أداء ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو شاهده من أفعال وأحوال لتلاميذه أو للسائلين له عن حديث أو أحاديث بعينها لتحملها منه، أو للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.

فمن ذلك: ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم". ( أحمد: المسند 13/133، والترمذي: السنن2/204، وقال حسن صحيح.)

وروى عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت على أبي هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات؟ فقال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات". ( أحمد: المسند5/180، وأبو داود 2440.)
فقد اقتصر في أداء هذين الحديثني على ما سمعه من رسول الله صلـى الله



عليه وسلم على عادة محدثي الصحابة ومن بعدهم من تابعين وغيرهم رضي الله عنهم في التحديث، وهذا المسلك هو الغالب على ما روي عنه من أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
المسلك الثاني: هو الرواية غير المجردة:

وهي التي يرويها ضمن كلام له يشرح فيه الرواية، أو يستنبط منها معاني، أو أحكاماً استفادها منها، أو من روايات أخرى باجتهاده وفهمه الخاص. بقصد التعليم والإرشاد اللذين شكلا ظاهرة بارزة في حياته رضي الله عنه الدعوية: التي أولاها اهتمامه كما سنرى فيما بعد.

ومن تلك الروايات على سبيل المثال:

ما رواه أحمد، عن محمد بن زياد، قال: رأيت أبا هريرة مر بقوم يتوضؤون من مطهرة، فقال: أحسنوا الوضوء يرحمكم الله، ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار".( أحمد: المسند14/222، والمطهرة: الإناء الذي يتطهر منه.)

وما رواه أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله قال: "ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قال: قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال"بيده هكذا وحرفها".(أحمد: المسند 14/257، والبخاري1/165، والهرج بفتح الهاء وإسكان الراء: القتل.
أي حركها يميناً وشمالاً.


وبهذا نراه قد قدم هاتي الروايتين بكلام من عنده، حيث أمر بإحسان الوضوء خوف الوقوع بما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي النار في الرواية الأولى.

وقدم للرواية الثانية ببيان بعض أشراط الساعة، كقبض العلمن وظهرو الفتن، وكثرة القتل، وذلك على سبيل التحذير من التمادي في المعاصي، والبعد عن طاعة الله تعالى، وختمها بما يؤكد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المرفوع والموقوف في روايات أبي هريرة:

وعلى هذا فالكلام الذي يأتي به في أول الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو في آخرها يعد موقوفاً عليه، لأنه من كلامه هو، لا من المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي إذا سئل عنه أحياناً، هل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: لا هذا من كيسي، أو من كيس أبي هريرة.
وقد ظن بعض من لا لعم له بالحديث، ولا معرفة له بطريقة أبي هريرة في الرواية أنه يعني بقوله هذا: الرواية بسميها (المرفوع والموقوف) لا الموقوف منها خاصة، فراح يقول جهلاً: إن أبا هريرة ينسب ما يقوله من نفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادفت هذه المقولة الجاهلة هوى في نفوس الذين في قلوبهم مرض، فأخذوا يرددونها، لعلها تؤيدهم فيما يفترون على هذا الصحابي الجليل.



13-اهتمامه بالدعوة وتبليغ العلم


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


كان أبو هريرة رضي الله عنه واحداً من علماء الصحابة رضي الله عنهم، الذين تحملوا أمانة الدعوة وتبليغ العلم الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان من أكثرهم نشاطاً في هذا المجال، وذلك لسعة علمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس في وقته إلى علمه وتعليمه لهم ولخوفه من تبعات كتمان العلم، فقد روي عنه أنه قال: "وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً"ثم تلا :)إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى([البقرة:159]الآية كلها. (أحمد: المسند14/122-123)

وروي عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة".( أحمد: المسند4/5، وأبو داود 3/321.)

وروي عن الحسن عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يأخذ مما قضى الله ورسوله كلمة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فيجعلهن في طرف ردائه فيعمل بهن ويعلمهن" قلت: أنا وبسطت ثوبي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حتى انقضى حديثه، فضممت ثوبي إلى صدري … الحديث.( أحمد: المسند 8/147، والحسن: هو البصري.)



لهذا سلك أبو هريرة رضي الله عنه كل السبل الممكنة للدعوة إلى الدين وتبيلغ ما تلقاه عن رسول الله من علم ومعرفة، فنراه يعظ ويحدث في كل مكان يتسنى له التحديث فيه، في البيت والمسجد والسوق وغيره من الأماكن التي يستطيع التحديث والوعظ فيها.
فقد روى الإمام أحمد عن عكرمة قال: دخلت على أبي هريرة في بتيه، فسألته عن صوم يوم عرفة … الحديث الذي تقدم قريباً.
وروى الحاكم عن عاصم بن محمد عن أبيه قال:(رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول : حدثنا أبو القاسم رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا يزال يحدث حتى إذا سمع فتح باب المقصور لخروج الإمام للصلاة جلس)(الحاكم: المستدرك 3/512، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.)
وروى البخاري عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: (أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم …الحديث) (البخاري: التاريخ 1/186.)
وروى أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: "ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن…" الحديث، الذي تقدم قريباً أيضاً.



وعن مكحول قال:"تواعد الناس ليلة إلى قبة، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح".(الذهبي: سير أعلام النبلاء2/599، وابن كثير: البداية والنهاية8/110.)
ولم يقتصر أبو هريرة رضي الله عنه في التحديث والوعظ والإرشاد على الرجال، وإنما تعداهم إلى النساء فحدثهن ووعظهن بما يحتجن إليه، ويتعلق بهن من أمور، فقد روى أحمد عن عبيد مولى لأبي رهم، عن أبي هريرة: "أنه لقي امرأة، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرأة تطيبت للمسجد فيقبل الله لها صلاة حتى تغتسل منه اغتسالها من الجنابة" فاذهبي فاغتسلي.( أحمد: المسند15/107-108، وابن ماجه: السنن2/1326، واللفظ لأحمد والإعصار، هو فوح الطيب، شبه بما تثير الريح من الأعاصير. ابن الأثير: النهاية3/247)
وروى الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يقول: "ثلاث هن كفر: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب". (الذهبي: سير أعلام النبلاء2/586، وأم الدرداء: هي الصغرى، روت عن زوجها أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.)
وهكذا بين أبو هريرة رضي الله عنه للمرأة المتطيبة عدم مشروعية خروجها من بيتها متطيبة متزينة، ولو كان خروجها لأداء الصلاة في المسجد، وأمرها بالرجوع إلى بيتها والاغتسال من الطيب إن هي شاءت العودة إلى المسجد، وحري بنسائنا المؤمنات اليوم أن يحرصن على هذا

التوجيه النبوي الكريم، ليحفظن أنفسهن من العيون الزائفة، والنفوس المريضة المنحرفة.
كما حذر النساء اللاتي وجدهن في بيت أم الدرداء التابعية الفاضلة، زوج أبي الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه، من ثلاثة أمور تتعاطاهن النساء، وهن من عادات الجاهلية، التي حرمها الإسلام وساواها بالكفر، لأنها توصل من يتفوه بها إلى النار، كما يوصل الكفر صاحبه إليها، وقد نهج في ذلك النهج التربوي الدعوي الإصلاحي الناجح، حيث خاطب كلاً بما يناسبه، خاطب الرجال بما ينسابهم، وخاطب النساء بما يناسبهن، ويخصهن من أمور، متأسياً في ذلك بالمنهج التربوي الدوعوي الأول، الذي أرسى دعائمه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تفنن رضي الله عنه في أساليبه في الدعوة، وكان من أساليبه فيها:
1 – أسلوب الترغيب:

روى الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: "يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا : وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئاً يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم لذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ". (الهيثمي: مجمع الزوائد 1/123-124.)



وبهذا الأسلوب الدعوي الرائع بين لهم أبو هريرة رضي الله عنه الميراث النبوي الحقيقي الرابح، إذ إنه لم يورث لهم درهماً ولا ديناراً ولا غيرهما من الأموال، وإنما ترك لهم الكتاب والسنة، وما اشتملا عليه من أنواع الهدي والمعرفة والفلاح.
3-أسلوب الترهيب:
وكما استخدم أسلوب الترغيب في الدعوة، استخدم أيضاً أسلوب الترهيب فيها، مع المدعوين الذين كانوا يتعاطون بعض المعاصي جهلاً، أو عن سوء تقدير لما يترتب عليها من تبعات.
من ذلك ما مر من وعظه للنساء في بيت أم الدرداء رضي الله عنها، وتحذيرهن من : النياحةن وشق الجيب والطعن في النسب التي عدها كفراً، لما تؤدي إليه من عظيم الإثم وشديد العقاب.
ومنه أيضاً ما روي عنه أنه قال: أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : "ويل للعراقيب من النار".( أحمد: المسند 19/125،ومعنى أسبغوا الوضوء : أتموه بإكساء العراقيب بالماء.)
4- أسلوب المواجهة والمصارحة:
فعن قتادة عن أبي عمر الغدانيّ، قال: "كنت عند أبي هريرة جالساً، قال: فمر رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له: هذا أكثر عامري نادي مالاً، فقال أبو هريرة: ردوه إلي فردوه عليه، فقـال: نبئت أنك ذو مال كثير، فقال العامري: أي والله، إن لي مائة حمراً، ومائة أدماً، حتى عد من ألوان الإبل، وأفنان الرقيق، ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف الغنم، ويردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها" قلنا: يا رسول الله وما رسلها ونجدتها؟ قال: "في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأسره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه فيه بأخفافها إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله … الحديث".
فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي اللبن، وتطرق الفحل".(أحمد: المسند 20/72-73، ومسلم بشرح النووي 7/64-66، واللفظ لأحمد.
والمراد بالقاع القرقر: المستوية الواسعة، ومعنى العزيرة : كثيرة اللبن، ومعنى تقفر الظهر: تعير البعير لمن يحتاج لركوبه.)
ولو تتبعنا جهود أبي هريرة رضي الله عنه الدعوية والتعليمية وأساليبه فيها لطال بنا المقام، وحسبنا ما أوردناه منها للدلالة على سعة ما بذل في هذا المجال من جهود، وعلى كثرة المستفيدين منه والحاملين لعلمه رضي الله عنه وأرضاه.



14- موقفه من الخلافات التي حدثت في أيامه


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

وقف أبو هريرة رضي الله عنه من الخلافات التي حدثت في أيامه على الحياد، ومنها الخلاف الذي نجمت عنه الفتنة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وقد وقف هذا الموقف وهو اعتزال الفتنة جمع من الصحابة، كسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل، و عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن الأكوع، وغيرهم رضي الله عنهم.
ولم يحصل منه ما يفيد التحيز إلى أحد الطرفين لا قولاً ولا عملاً، كما لم ينقل عن أحدهما أنه طلب تأييده أو الوقوف إلى جانبه، لأنه لم يكن لديه كما يقول المثل: (خيل ولا مال) كما كان بطبعه رضي الله عنه موثراً للسلامة ما أمكن، ولم يخرج عن ذلك إلا يوم حوصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، من قبل الفئة الباغية التي قتلته ظلماً عام 35هـ.
حيث دخل دار عثمان مع من دخلها من الصحابة للدفاع عنه، كالحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
فقد روى الحاكم عن موسى بن عقبة وأخويه محمد وإبراهيم قالوا: حدثنا أبو حسنة قال: شهدت أبا هريرة وعثمان محصور في الدار واستأذنه في الكلام، فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنة"، قال: قلنا: يا رسول الله فما تأمرنا، قال: "عليكم بالأمير وأصحابه وأشار إلى عثمان". (الحاكم: المستدرك 3/98، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.)
وهذا يمثل ولا شك موقفاً جريئاً لأبي هريرة رضي الله عنه، في إظهار الحق في وقت مضطرب لا تعرف فيه عواقب قول الحق على صاحبه، وقد بقي في الدار حتى غلبوا هو ومن معه، وقتل عثمان شهيداً رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام خير ما يجزي به الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وقد عرف الأمويون له هذا الموقف، وقدروه له فيما بعد، ولعل هذا هو الذي سوغ لبعض أهل الأهواء الافتراس عليه والتعريض به رضي الله عنه.


15- أبو هريرة وآل البيت رضي الله عنهم


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

كان أبو هريرة محباً لآل البيت، مجلاً لهم، عارفاً بفضلهم، مقدراً لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعياً لوصاياه صلى الله عليه وسلم بهم، راوياً لكثير مما روي في فضلهم ومناقبهم، وحب النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وإليك بعض ما روي عنه من مناقبهم رضي الله عنهم:
أولاً – ما روي عنه في مناقب علي رضي الله عنه:
1 – روى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه" فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: "امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" قال: فسار علي شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". (مسلم 7/121، كتاب فضائل الصحابة، وابن حبان: الصحيح 8/43، واللفظ لمسلم.)
2 – وعن المحرر بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال: "كنت مع علي بن أبي طالب، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: قال كنا ننادي أنه لا يدخل الجـنة إلامؤمن،ولايطوف بالبيت عريان،ومن كان
بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله، أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي". (أحمد: المسند 15/133-134ن وصحل بفتح الصاد وكسر الحاء معناه: بح.)وقدبينت هذه
الرواية أنه كان بمعية علي رضي الله عنه في أداء هذه المهمة التي كلفوا بها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 – وعن أبي رافع قال: قلت لأبي هريرة: إن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إذا كان بالعراق يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، فقال : كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ.( ابن حبا: الصحيح 4/104)وفى هذه الرواية يذكرفضيلة من فضائل على بن أبى
طالب رضي الله عنه، وهي الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة والتأسي به فيها.
ثانياً- ما روي عنه في مناق جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
1 – روي عنه رضي الله عنه أنه قال: وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها.(البخاري 2/208 فضائل الصحابة، العكة: وعاء من جلد يوضع فيه السمن).



2 – وعن المقبري عن ابي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين. ( ابن ماجه: السنن 5/138.)

ثالثاً- ما روي عنه في مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما.
1 – روي عنه أنه قال: عانق النبي صلى الله عليه وسلم الحسن.( البخاري 2/216 مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما.)
وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحسن: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه". (مسلم 7/129، وأحمد: المسند 14/128.)

2- وجاء عنه أنه قال: فما كان أحد أحب إلى من الحسن بن علي بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.(ابن حبان: الصحيح 8/56.)

3 – وعن عمير بن إسحاق قال: كنت أمشي مع الحسن بن علي في طرق المدينة، فلقينا أبا هريرة، فقال للحسن: اكشف لي عن بطنك جعلت فداك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله، قال: فكشف عن بطنه فقبل سرته. (أحمد: المسند 14/195، وابن حبان: الصحيح 8/57.)
4 – وعن عبد الرحمن بن مسعود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما، فقال: "نعم من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني" .( الحاكم: المستدرك 3/166، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي عليه وقوله: يلثم، أي:يقبل فاه.)
5 – وعنه رضي الله عنه قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً، وذاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي، واتكأ علي فانطلقت معه، حتى جاء سوق بني قينقاع، قال: وما كلمني، فطاف ونظر، ثم رجع ورجعت معه، فجلس في المسجد واحتبى، وقال: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره، ثم أدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه".(الحاكم: المستدرك 3/178، وقال حديث صحيح، ووافقه الذهبي عليه.)
ونكتفي بما ذكرناه مما رواه أبو هريرة من مناقبهم، عن باقي ما رواه أبو هريرة من مناقب آل البيت رضي الله عنهم، لدلالة ما أوردناه من مناقبهم على علاقة أبي هريرة الحميمة بهم، وحبه لهم، وحرصه على إبراز مناقبهم، وإظهار فضلهم رضوان الله عليهم، وهذا يدل على جهل كثير من المتقولين عليه بتلك العلاقة، وذلك الحب الصادق لهم.
هذا ولم يثبت عن أحد من آل البيت الكرام ما يفيد الطعن بأبي هريرة، أو النيل منه، وإنما ثبت أن بعضهم قد روى عنه، وأن كثيرا من ثقات أصحابهم والرواة عنهم، قد رووا عنه أيضاً بعلمهم ودون معارضة من أحد منهم، مما يدل على رضائهم عنه، وقبولهم لرواياته، ومن شاء التأكد مما ذكرنا، فليراجع كتاب (دفاع عن أبي هريرة) لمؤلفه الفاضل الأستاذ: عبد المنعم صالح العلي، فإنه سيجد فيها ما يؤكد ذلك.