المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكاسيات العاريات محمد حسان


Eng_Badr
15-11-2010, 06:33 PM
الكاسيات العاريات
محمد حسان



إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله - تعالى - من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه، وأحبابه، وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفي أثره إلى يوم الدين. أما بعد:
فحياكم الله جميعاً أيها الأخوة الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم - جل وعلا – الذي جمعنا في هذا البيت المبارك الطيب على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفي في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
أحبتي في الله: ما زلنا نواصل حديثنا بفضل الله ومدده وتوفيقه عن علامات الساعة الصغرى، ضمن سلسلة الحديث عن الإيمان باليوم الآخر -كركن من أركان الإيمان بالله - عز وجل-، أواصل هذه العلامات، وأستهل العلامات الليلة بهذه العلامة، ألا وهى ظهور الكاسيات العاريات كعلامة من العلامات الصغرى التي أخبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وقد وقعت العلامة بمثل ما أخبر به المصطفي، وأرجو أن تركز معي في هذا الحديث الذي ربما يسمعه كثير منكم لأول مرة، فإن النبي الصادق يصف الحال وصفاً في غاية الدقة، وكأنما يعيش المصطفي معنا في هذه الأيام، ويصف أحوال نسائنا إلا من رحم ربك - جل وعلا -.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره بسند صححه العلامة أحمد شاكر -رحمه الله-، من حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما-: ((سيكون في آخر أمتي...)) أرجو أن تدقق في لفظة آخر ((سيكون في آخر أمتي رجالاً يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهم كأسنمة البخث العجاف، العنوهن، فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم، كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم)) [1]، تدبر هذا اللفظ النبوي المعجز!!.
سروج: جمع سرج، والسرج: هو رحل الدابة، الذي يوضع على ظهر الدابة، والرحال: جمع رحل، والرحل: هو مركب يوضع على ظهر البعير، ويقال لمنزل الإنسان وسكنه: رحل.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يصف حال ما يركب عليه الناس، أو يجلس فيه الآن كـ((أشباه الرحال))، أي: هذه الفرش الوثيرة الجميلة التي يجلس فيها المرء ويركب ويرحل من مكان إلى آخر، وهذا هو ما ينطبق على السيارات، يصف النبي –صلى الله عليه وسلم- هذه الصنعة العجيبة بهذا الوصف النبوي المعجز أي كـ((أشباه البيوت))، وأنت الآن تركب السيارة وكأنها حجرة، خاصة إن كانت سيارتك الخاصة، فهي لا تختلف كثيراً عن حجرة خاصة بك تجلس فيها أنت وأهلك، وربما تتناول أنت وأهلك الطعام، بل الشراب بأنواعه، وأنت في طريق أو آخر، بل نحن نرى في كثير من السيارات التي أعدت إعداداً؛ نرى في السيارة - أعزك الله- حماماً، أو مكاناً لقضاء الحاجة، وتجد فيها مكاناً لثلاجة صغيرة تشرب منها الماء البارد، بل وأحياناً ترى الماء الساخن الذي تحتاج إليه لأي نوع من أنواع الشراب، هذا ما نراه في السيارات الكبيرة الخاصة، وفي "الباصات" الكبيرة المكيفة التي تسافر المسافات الطويلة بين الدول، ومن سافر منكم للعمرة عن طريق هذه "الباصات" يعلم هذا الوصف النبوي المعجز، بل وهناك من السيارات الخاصة الآن تصنع فيها الكراسي بحيث تستدير بطريقة أو بأخرى، بحيث تتحول هذه الكراسي إلى شبه "أنترية" داخل غرفة صالون، أو غرفة "أنترية" في البيت، فالوصف لا يحتاج إلى مزيد بيان، لكن تدبر قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((سيكون في آخر أمتي رجال يركبون سروجا كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف..)) فرسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخبرنا أنه من بين هؤلاء الرجال الذين ينزلون على أبواب المساجد بسروجهم أو برحالهم؛ من بينهم رجال لهم نساء في البيوت -مع أنهم يحضرون إلى بيت الله - جل وعلا-، لكن نساؤهم يخرجن كاسيات عاريات! صلى الله على من لا ينطق عن الهوى.
أسأل الله ألا يكون أحدنا منهم بمنه وكرمه، وأنا إن شاء الله - تعالى - أنزه هذا الجمع الكريم الطيب عن أن يكون احد حضوره الكرام في دروس العقيدة، من ترك امرأته تخرج بعد ذلك إلى العمل أو إلى الشارع وهى كاسية عارية، أسأل الله أن يطهرنا جميعاً من هذا الوصف.
اللهم استر نساءنا وبناتنا، اللهم حبب إليهن الحجاب، وزينه في قلوبهن، برحمتك يا أرحم الراحمين. ((نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف))، وفي لفظ سيأتي الآن -إن شاء الله تعالى -: ((رؤوسهم كأسنمة البخث المائلة))، البخث: نوع من أنواع الجمال الخرسانية التي كانت تعد من أغنى ما يمتلكه العربي من الجمال العربية، وتمتاز بطول الأعناق، يعرف هذا البعير بالقوة والجودة وغلو ثمنه، فإذا مال السنام دل ذلك على ضعف هذا البعير، وعلى عدم رغبة صاحبه فيه رغبة كبيرة، يصبح بعيراً مهملاً لا يقوى على الخدمة، ولا يقوى على العمل.
فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يشبه رؤوس النساء الكاسيات العاريات، فترفع المرأة شعرها على رأسها كما رفع السنام على ظهر البعير -سبحان الله-، وهذا ما يسمى الآن بقصة الأسد عند النساء، وهناك قصات مختلفة تخرج من آن لآخر بحسب أحدث الموضات والموديلات، وأصبحنا نرى الآن محلات خاصة بذلك تسمى بمحلات "الكوافير"، تذهب المسلمة لهذا المحل؛ لتجلس طائعة مختارة غير كارهة ولا مضطرة بين يدي رجل أجنبي؛ ليصفف لها هذا الأجنبي شعرها، أو ربما ليصل لها شعراً آخر يخالف شعرها الحقيقي، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يصف أحوال النساء في عصرنا الآن وصفاً دقيقاً كأنما يعيش المصطفي –صلى الله عليه وسلم- بيننا، ويصف حالة رآها بعينه ((على رؤوسهم كأسنمة البخث العجاف)).
يقول: ((العنوهن فإنهن ملعونات))، وأرجو أن أقف عند هذه اللفظة لأبين قاعدة أصولية في غاية الدقة؛ ألا وهى الحكم على الإطلاق، والحكم على التعيين فلا ينبغي أن تأتى لامرأة متبرجة بعينها وتقول: أنت ملعونة، لا، لا يجوز ذلك، بل يجب أن تقيم عليها الحجة الخاصة، وأن تبين لها الحق بالحكمة والرحمة والأدب والتواضع، فشتان شتان بين أن تقول: لعن الله الكاسيات العاريات هذا حكم على الإطلاق، وبين أن تقول: فلانة الكاسية العارية ملعونة، فرق كبير بين الحكم على الإطلاق، والحكم على التعيين، فالحكم على معين من الناس سواء كان رجلاً أو امرأة لا بد فيه من تحقيق شروط، وانتقاء موانع، هذا درس مهم، أو لطيفة لا ينبغي أبداً أن نتجاهلها، فإنني أسمع كثيراً من إخواننا وطلابنا يقول: فلان شهيد، لا ينبغي أن تحكم له بالشهادة، وإنما قل: أرجو الله أن يكون شهيداً، أو أن يكتبه عنده في الشهداء، وفلان في جهنم، لا تتأل على الله، ما أدراك أنه في جهنم؟، فإن بين الله وبين عبادة من الأمور والأحوال ما لا يعلمها إلا الكبير المتعال، من المصائب المكفرة، ومن الرحمة التي لا يعلمها إلا هو إلى أخره، وفلان في الجنة ما يدريك فلا ينبغي أبداً أن نحكم لأحد بالشهادة، أو أن نحكم لأحد بجنة، أو أن نحكم لأحد بنار، أو أن نلعن أحداً من الناس بعينه دون أن نقيم الحجة عليه بالضوابط المعلومة التي فصلتها قبل ذلك في الفصل الأول، وأنا أشرح كتاب حقيقة التوحيد.
فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: ((نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهم كأسنمة البخث العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات...، لو كانت وراءهم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم)) [2]، أي لبعدكم عن الله، وعن منهج الله، وهذه ثمرة حتمية مرة للبعد عن منهج الله - جل وعلا -، وهى ثمرة الذل والهوان، وأنا أعلم يقيناً أن الأمة الآن تعيش هذه المرحلة تجنى ثمرة البعد عن الله - تعالى-، وهى ثمرة مرة، فلقد أذل الله الأمة لمن كتب عليهم الذلة من إخوان القردة والخنازير، من أبناء اليهود، -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لو كانت وراءكم امة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم، كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم))، هذه علامة من العلامات التي ظهرت الآن. وفي رواية للحاكم: ((سيكون في أخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر)) [3]، والمياثر: جميع ميثرة بكسر الميم، وهى: الثوب الذي تجاله الثياب، وتطلق المياثر على مراكب الأعاجم التي تعمل من حرير أو ديباج، والمراد بها هنا السروج العظام، وهى تطلق الآن كما ذكرت على السيارات الأنيقة، وللأمانة العلمية التي عاهدنا الله عليها، فإن في رواية الحاكم التي ذكرت عبد الله القتباني، وقد ضعفه أبو داود والنسائي - رحمهما الله تعالى -، وقال فيه أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة، ومعلوم أن ابن لهيعة ضعيف، إلا أن الحديث يقوى بالحديث الذي ذكرت أو بالطريق الذي ذكرت من مسند أحمد - رحمه الله تعالى -، واللفظ المشهور الذي رواه مسلم من حديث أبى هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) [4]، صنفان من أهل النار، هذه شهادة من الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يحكم الآن بالنار على امرأة كاسية عارية، وقد فصلت القول في الصنف الأول: رجال معهم سياط كأذناب البقر.
وأفصل في الشق الثاني ((نساء كاسيات عاريات))، ما معنى قوله: ((كاسيات عاريات))، في ذلك أقوال لأهل العلم:
الأول: ((كاسيات عاريات)) أي: تلبس المرأة ثياباً شفافة خفيفة تشف هذه الثياب ما تحتها، فتظهر المرأة وكأنها عارية، وأظن أن هذا الوصف النبوي تراه الآن منتشراً عند عدد كثير من النساء -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، بل والله قد ترى الثوب الداخلي الملتصق بالجسد سواء في الجزء العلوي عند الصدر، أو في الجزء السفلى الذي يستر عورة المرأة، قد تراه ظاهراً بارزاً من جراء هذه الثياب الشفافة التي تظهر المرأة وكأنها عارية، بل أنا أقول قد تظهر المرأة بهذه الثياب وهى أشد فتنة من العارية تماماً؛ لأن الممنوع مرغوب، ولأن المرء دائماً بفطرته مجبول على أن يعرف ما وراء الحجب والجدران، فتلبس المرأة ثياباً شفافة، فتظهر هذه الثياب المرأة وكأنها عارية هذا تفسير.
التفسير الآخر: أن المرأة تلبس ثياباً ضيقة، فتظهر تلك الثياب مفاتن المرأة تماماً، وكأنها عارية تظهر كل مفاتن المرأة سواء من الأمام أو من الخلف، أسأل الله أن يستر نسائنا وبناتنا إنه على كل شيء قدير، فتظهر المرأة مع أنها تلبس الثياب لكنها تظهر وكأنها عارية، إما للثياب الشفافة التي تظهر ما تحتها، وإما للثوب الضيق الذي أظهر كل مفاتن المرأة، بصورة تجعل المرأة أشد فتنة من المرأة العارية، النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكم على هؤلاء بأنهن من أهل النار، فهل تقوى المرأة المسلمة التي ظهرت كاسية عارية على النار؟.
أختاه
هل تقدرين وتصبرين على حر النار؟ يا من خرجت بالثياب الشفافة، ويا من خرجت بالثياب الضيقة هل تصبرين على حر النار؟ هل تعلمين أن الطعام في النار نار؟ هل تعلمين أن الشراب في النار نار؟ هل تعلمين أن الثياب في النار نار؟ طعام أهل النار نار، وشراب أهل النار نار، وثياب أهل النار نار قال -تعالى-: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ* وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ* تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ) [سورة الغاشية:1- 6]، هل تعلمين ما الضريع أيتها الأخت؟ (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) [سورة الحاقة:30-36] هل تعلمين ما الغسلين؟ وهل تعلمين ما الضريع؟ الضريع: نوع من أنواع الشوط ينبت في أرض الجزيرة، والغسلين: عصارة أهل النار من قيح وصديد، هذا طعام أهل النار.
وقال - تعالى -: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ* إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [سورة الصافات: 62-66] فهل تقدرين على الزقوم والغسلين والضريع؟، ثم إذا أكل أهل النار هذه النار، وتأججت النار في بطونهم، استغاثوا بالعزيز الغفار، يريدون الماء، فيغاث أهل النار بماء كالزيت الذي يغلى من شدة الغليان: (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [سورة محمد:15]، وقال -تعالى-: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ) [سورة الكهف:29] أي: كالزيت المغلي (يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) [سورة الكهف:29]، (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [سورة إبراهيم: 15، 17] حتى الثياب، الثياب التي تتفنن المرأة المتبرجة الكاسية العارية الآن في إظهارها ولبسها؛ لتفتن قلوب الشباب والرجال ستبدل هذه الثياب بثياب من النار إن لم تتب إلى العزيز الغفار، قال ربنا - جل وعلا -: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) [سورة الحج: 20، 23]، فالطعام في النار نار، والشراب في النار نار، والثياب في النار نار، فهل تصبرين أختي المسلمة على حر النار؟
الله الله في الحجاب الشرعي، الله الله في الستر والعفاف، والله لا تقدر المرأة على حرارة حر الشمس في يوم شديد الحرارة، ولا تقدر على أن تمس يدها نار "البوتوجاز"، إن هذه النيران التي لا تصبرين على حرها في الدنيا؛ إنما هي جزء من سبعين جزءاً من جهنم، قالوا: يا رسول الله، والله إن كانت لكافية، فقال: ((ولكن نار الآخرة فضلت –أي: زادت- على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرها)).
فيا أيتها الأخت: أنادي عليك، وأنا والله الذي لا إله غيره أحب لك الخير الذي أحبه لابنتي، وأحب لك الستر الذي أحبه لزوجتي، وأحب لك العفاف الذي أحبه لأم وعمتي وخالتي، فأنت درة مصونة، وأنت جوهرة ثمينة، وأنت لؤلؤة مكنونة، ومحال لأي عاقل أن يلقى بدرته وجوهرته لكل عين خائنة، ولكل يد آثمة؛ لتصل إليها بالباطل، والإثم والعدوان، فلا تقولي أبداً: أقنعني بالحجاب، وإنما إن أردت السؤال فأنا أصحح لك السؤال وهو: أقنعني بالإسلام، فإن كنت مسلمة فالذي أمرك بالحجاب هو الله، فما عليك إلا أن تقولي: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [سورة البقرة: 285].
أسأل الله أن يستر نساءنا وبناتنا، وأن يشرح صدورهن للإسلام، إنه على كل شيء قدير.
يقول: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات))، تتمايل المرأة في مشيتها، وتتبختر يمنة ويسرة فتجذب إليها قلوب الشباب، بل والرجال، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإن أعظم فتنة تركها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمة هي فتنة النساء الكاسيات العاريات كما قال في الصحيحين من حديث أسامة: ((ما تركت فتنة بعدى أضر على الرجال من النساء)).
((رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) [5]، وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أشراط الساعة أن تظهر ثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات))، ((أن تظهر ثياب)) تلبس هذه الثياب نساء كاسيات عاريات، وأنا أعلم يقيناً أنه لا يخالف مسلم الآن، أن الثياب التي نراها الآن من قصات مختلفة عارية مفتحة من كل الجوانب، لم تكن البتة على عهد المصطفي.
فهذه الأحاديث إخوتي الكرام من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد وقع ما أخبر به المصطفي –صلى الله عليه وسلم- في عصرنا بصورة دقيقة بمثل ما قال.
أما سؤال الأخت الفاضلة عن النقاب، فالنقاب نوع من أنواع الحجاب، صورة من صور الحجاب في قوله - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) [سورة الأحزاب: 53] .
والنقاب لغة: هو غطاء الوجه الذي ينقب بمحاذاة العينين؛ لترى المرأة من هذين النقبين الطريق، ولذا سمى بالنقاب وهو غطاء الوجه، ولا ينبغي أبداً أن يهزأ به، وإنما ينبغي أن نعلم أن النقاب أو غطاء الوجه قال بوجوبه لفيف من أهل العلم والفضل، والأدلة على وجوب تغطية الوجه كثيرة، وأنا أدين لله بهذا.
لقد نقل الإمام الشوكاني اتفاق المسلمين على وجوب أن تغطى المرأة المسلمة وجهها في زمن يكثر فيه الفساق، فما رأيكم في زماننا يكثر فيه الأولياء؟!، وأنا أعتقد الآن أننا نعيش زمانا تخشى فيه الفتنة على الرجال، وعلى الشباب، وعلى النساء، فأنا أدين لله بهذا، وإليكم الأدلة:
الدليل الأول: قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [سورة الأحزاب:59]، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "أمر الله- سبحانه وتعالى- جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك؛ حتى يعرفن بالعفة.
قال الشيخ أبو الأعلى المودودي -رحمه الله تعالى- في كتاب الحجاب: نزلت الآية خاصة في ستر الوجه، ثم يقول: ...فمعنى الآية أن يرخين جانباً من خمرهن أو ثيابهن على أنفسهن، وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه سواء كان ذلك بضرب الخمار، أو بلبس النقاب، أو بطريقة أخرى تختلف عن ذلك.
يقول الإمام الطبري شيخ المفسرين- رحمة الله تعالى- في آية الإدناء في سورة الأحزاب، يقول عن أبن عباس: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، وأن يبدين عيناً واحدةً" يقول: وهذا الإسناد صحيح.
يقول ابن سيرين: سألت عبيدة السلمانى-التابعي الفقيه العلم الذي آمن في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونزل بالمدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولم يزل بالمدينة حتى مات، وهو يصف حال نساء-، عن قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ...) الآية فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه، وبين بصورة عملية معنى الآية كما كان يفعل نساء الصحابة -رضوان الله عليهن-، وقال الإمام الرازي: "في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين"، وقال بوجوب تغطية الوجه، ولا أتوقف عند الأقوال، وإنما أذكر بالمصادر لمن أراد أن يرجع إليها، قال بوجوب تغطية الوجه للمرأة المسلمة الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الكريم، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام البغوي في معالم التنزيل في تفسير سورة الأحزاب، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام الزمخشري في الكشاف، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام ابن العربي المالكي في تفسير سورة الأحزاب في تفسير أحكام القرآن، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام البيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام النسفي في مدارك التنزيل وحقائق التأويل، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام ابن على بن حيان الأندلسي في البحر المحيط في تفسير سورة الأحزاب، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام الخطيب الشربيني في السراج المنير في تفسير سورة الأحزاب، وقال بوجوب تغطية الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة النور، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام ابن القيم في مرجعه القيم إعلام الموقعين، وقال بوجوب تغطية الوجه الإمام ابن حزم في المحلى، في الجزء الثالث، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، وقال بوجوب تغطية الوجه شيخنا الفاضل محمد بن صالح العثيمين يقول: "وقد دلت الأدلة من كتاب الله، وسنة رسوله، والنظر الصحيح، والاعتبار والميزان، على أنه يجب على المرأة أن تستر وجها عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، ولا يشك عاقل أنه إذا كان على المرأة أن تستر رأسها، وتستر رجليها، وألا تضرب الأرض برجليها؛ حتى يعلم ما يخفي من زينتها، وأن هذا واجب، فإن وجوب ستر الوجه أوجب وأعظم، وذلك أن الفتنة الحاصلة بكشف الوجه أعظم بكثير من الفتنة الحاصلة بظهور شعره من شعر رأسها، أو بظهور من أظافر رجليها، وإذا تأمل العاقل المؤمن من هذه الشريعة وحكمها وأسرارها؛ تبين أنه لا يمكن أن تلزم الشريعة المرأة بستر الرأس، والعنق، والذراع، والساق، ثم تبيح الشريعة للمرأة أن تخرج كفيها، وأن تخرج وجهها الذي ملأ جمالاً وتحسينا.."، وبوجوب تغطية الوجه قال الإمام الشوكاني في فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، قال العلامة الألوسي في تفسير القرآن العظيم في السبع المثاني في سورة الأحزاب، وبوجوب تغطية الوجه قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل، وبوجوب تغطية الوجه قال علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، في تفسير القرآن الكريم، في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، وبوجوب تغطية الوجه قال الدكتور محمد محمود حجازي في التفسير الواضح في سورة الأحزاب، وبوجوب تغطية الوجه قال الشيخ أبو بكر الجزائري -حفظة الله- في أيسر التفاسير لكلام العلى الكبير، وبوجوب تغطية الوجه قال الشيخ صالح عبد الوهاب البليهي في كتابه الطيب: "يا فتاة السلام اقرئي حتى لا تخدعي"، وبوجوب تغطية الوجه قال الشيخ عبد العزيز بن خلف، وبوجوب تغطية الوجه قال كثير من أهل الفضل والعلم، ويكفي هذا الكم الكبير الهائل من الذين ذكرت أسماءهم وذكرت مراجعهم.
الدليل الثاني: بإيجاز يقول الله - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [سورة الأحزاب:53]، وهذه الآية قد نزلت في شهر ذي القعدة، في السنة الخامسة من الهجرة، وهى نص واضح في وجوب تحجب الرجال عن النساء كما يقول العلامة الشنقيطى - رحمه الله تعالى -: "وفي هذه الآيات الكريمة دليل على وجوب الحجاب، ولكن وجوب الحجاب حكم على الناس، وليس خاصا بأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان أصل اللفظ خاصاً بأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة الذي دل عليه: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)، هو علة قوله - تعالى -: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ)، وهو المسلك المعروف عند العلماء مسلك الإيماء والتنبيه، وكذلك قال بوجوب تغطية الوجه في الآية هذه الشيخ حسنين مخلوف مفتى مصر السابق، ويقول الأستاذ/ محمد أديب كلكل في "فقه النظر في الإسلام": إن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين، وقد نزلت في حقهن، وإن قال قائل بأن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين وقد نزلت في حقهن.
قلت: وإن كانت خاصة بنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- من جهة السبب، فإنها عامة من جهة الأحكام،؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم يقول: فإن الإدعاء أن هذه خاصة بأمهات المؤمنين وقد نزلت في حقهن لا ينهض حجة؛ لأن الاستثناء في الآية (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ...) [سورة الأحزاب:55] عام وهو فرع عن الأصل، وهو الأمر بالحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع وهو غير مسلم في الآية، ويقول الشيخ سعيد الجابي في كتاب كشف النقاب: وإذا كانت نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- هن المطهرات من السفاح، المحرمات علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين قد أمرن بالحجاب؛ طهارة لقلوبهن، وقلوب أبنائهم المحرم عليهم نكاحهن، فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع لهن أهل السفاح، هل يجوز لهن أن يكن سافرات غير منتقبات، وبارزات غير محجبات، ويقول الأستاذ محمد أديب كلكل - حفظه الله - في قوله - تعالى -: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا...) [سورة الأحزاب:32] يقول: إنها وصايا ربانية، وآيات إلهية، فأي منها لا يتصل بعامة النساء المسلمات؟ وهل النساء المسلمات لا يجب عليهن أن يتقين الله؟ وهل أبيح لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية؟ ثم هل ينبغي لهن أن يتركن الصلاة، ويمنعن الزكاة، ويبعدن عن طاعة الله ورسوله؟ هل يريد الله أن يتركهن في الرجس؟ فإذا كانت هذه الأوامر والإرشادات عامة بجميع المسلمات فما المبرر في التخصيص؟
نعم ما هي الدلائل والتكليفات على أن هذه الأوامر خاصة بزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟ يقول الشيخ عبد العزيز بن خلف- رحمة الله-: لم يرد في آية النور وآية الأحزاب بما قضت به من أحكام عامة للمسلمات من أمة محمد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة، وإن من الزعم الباطل بأن آية الحجاب خاصة بأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى آخر ما ذكر، وهناك أيضاً آيات في سورة النور: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)[التي هي آية سورة النور الآية 31 ، ولكنني أود أن أقف على الأثر المنسوب لابن عباس، هذا الأثر في قوله - تعالى -: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) قال ابن عباس: الكحل والثياب، وقال أيضاً -رضي الله عنه-: الزينة زينتان: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء الزينة غير الظاهرة للزوج، وغير ذوى المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوى المحارم.
يستدل بأثر ابن عباس على أن أقل الزينة الظاهرة هي الكحل والثياب، يعنى لا مانع أن تظهر المرأة الكحل لغير المحارم كالزوج، وهذا من أبطل الباطل، الأثر المروى عن ابن عباس رواه الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- في التفسير، ورواه البيهقي في السنن الكبرى والإسنادان لا يصحان بحال.
الإسناد الأول: قال ابن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مروان، قال: حدثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (ولا يبدين زينتهن)، قال: الوجه والكفين، أقول: إسناده ضعيف جداً بل منكر، قال الإمام الذهبي -في ترجمة مسلم المولائى الكوفي-: متروك الحديث، وقال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى أيضاً: زعموا أنه اختلط، وقال النسائي: متروك الحديث، وهذا إسناد ساقط لا يصلح أبدا للمتابعات ولا للشواهد، كما لا يخفي على أحد من طلاب علم الحديث.
الإسناد الثاني: الذي رواه البيهقي في السنن الكبرى، قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبى عمر، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم بن هرمو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (ولا يبدين زينتهن) قال: الكف والوجه، قال: هذا الإسناد مظلم ضعيف جداً؛ لضعف أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال الذهبي: ضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، وقال ابن عبد الرحمن: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف، والراوي الثاني في هذا السند هو عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال الإمام الذهبي: ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى وضعفه النسائي، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: ضعيف.
إذا يا أخوة الإسنادان كما رأينا لا يثبتان أبدا بحال عن ابن عباس -رضي الله عنه-، ويؤكد صحة ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس -رَضي الله عنه- قال فيما رواه عنه علي بن أبى طلحة: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب"، هذا كلام ابن عباس -رضي الله عنه-.
هناك أيضاً أدلة كثيرة في السنة، أكتفي بدليل واحد فقط ألا وهو حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري وموطأ الإمام مالك وغيرهما من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-: ((لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) [6].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لا يحرمن، ولذلك يقتضى ستر وجوههن وأيديهن.
وقد يؤخذ بكلام الشيخ ناصر -حفظه الله- في المسألة بجواز كشف الوجه، وأود أن أذكر بكلام الشيخ ناصر الدين الألباني في هذه المسألة، فقد قرر الشيخ -رحمه الله- أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وأنه كان معهوداً في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وساق الأدلة على ذلك، ثم قال: إن في ذلك الحديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه كان معروفاً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن نساءه كن يفعلن ذلك، والاستدلال بحديث أسماء لا يصح بحال، فقد بينا قبل ذلك ضعف حديث أسماء من وجهين، بل من ثلاثة وجوه والله - تعالى - أعلم.
فأنا أقول: لا ينبغي على الإطلاق أن نسفه النقاب، ولا ينبغي على الإطلاق أن نحتقر المنتقبات، وإنما أقول للأخت المنتقبة: أرفعي رأسك عالية، واعلمي أنك على الحق -إن شاء الله تعالى -، وأعجب أشد العجب لامرأة سافرة عارية متبرجة تفتح لها الأبواب، وتهتف لها الجماهير، وتذلل لها الصعاب، وتغلق الأبواب في وجه المنتقبة العفيفة الطاهرة البريئة الشريفة، وفي الوقت ذاته من باب الأمانة العلمية، لا ننكر على من يقول من أهل العلم جواز كشف الوجه بشروط الحجاب الشرعية المعروفة للمرأة المسلمة، بشرط:
أن يكون الثوب طويلاً فضفاضا.
ألا يكون الثوب مبخراً أو معطراً.
ألا يكون الثوب ثوب شهرة إلى آخر هذه الشروط المعلومة في لباس المرأة المسلمة، فهل من توبة أيتها الفتاة؟ هيا توبي إلى الله - عز وجل -، واقلعي عن هذا الذنب، وتضرعي إلى الله - تبارك وتعالى- أن يغفر ما قد سلف، واعلمي يقيناًُ بأن الله - تعالى - يفرح بالتائب إليه وهو الغنى عن العالمين، فهو -سبحانه وتعالى- الذي يفتح باب التوبة لعبادة يقول سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [سورة الزمر:53]، وينادى - سبحانه وتعالى - على أهل الإيمان بالتوبة وتجديدها، فإن الإنسان لا ينفك عن معصية صغيرة أو كبيرة، ومن ثم فالله - جل وعلا - يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة التحريم:8]، ويقول - سبحانه -: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة النــور:11]، وما من يوم يمر علينا إلا ورب العزة يتنزل إلى السماء الدنيا تنزلاً يليق بكماله وجلاله ويقول: ((أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطية، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له))، فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من يوم إلا ورب العزة يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)) [7]، وفي الصحيحين أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيراً منه، وإن تقرب منى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشى أتيته هرولاً)) [8].
وأختم هذا اللقاء بهذا الحديث الجليل الكريم، ففي صحيح مسلم من حديث أبى موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، الذي رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى امرأة في السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ألصقته ببطنها وأرضعته، فأثر هذا المشهد الرقراق الحاني في قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم فقال: ((هل ترون أن هذه الأم طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لله أرحم بعباده من رحمة الأم بولدها)) [9].
فهيا أيتها الفتيات إلى التوبة إلى رب الأرض والسماء، وآسفاه إن دعيت اليوم إلى التوبة وما أجبت!، وآحسرتاه إن ذكرت بالله الليلة وما أنبت!، ماذا ستقولين لربك غداً؟ تذكر أيها الشاب، وتذكري أيتها الفتاة، تذكروا أيها المسلمون:
تذكر وقوفك يوم العرض عريانا *** مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
النار تلهب من غيط ومن حنق *** على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهل *** فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
فلما قرأت ولم تنكر قراءته ***وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي *** وامضوا بعبد عصا للنار عطشانا
المشركون غدوا في النار يلتهبوا *** والموحدون بدار الخلد سكانا
عد إلى الله، وتذكر الموت، لا تغتر بشبابك، ولا تفتر بصحتك، ولا تغتر بقوتك، فالموت لا يترك صغيراً ولا كبيراً، ولا شيخاً ولا شاباً، ولا امرأة.
وأنت أيتها الفتاة لا تغتري بشبابك، ولا بجمالك، ولا بصحتك، ولا بخديعتك لأسرتك، ولا للمجتمع، فستقفين يوماً بين يدي الله - جل وعلا - الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
أيها العاصي
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا *** واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسها الملكان حين نسيته *** بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح منك وديعة أودعتها *** ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها *** دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فأعلم والنهار كلهما *** أنفاسنا فيها تعد وتحسب
وصدق ربى إذ يقول: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) [سورة القيامة:26-40].
أسأل الله - جل وعلا - أن يردنا إلى الحق ردا جميلاً، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم استر نساءنا وبناتنا، واحفظ شبابنا، وردنا إلى الحق رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله هذه صرخة صيحة من أخ يحبكم في الله، أسأل الله - جل وعلا - أن يجعلها خالصة لوجهة، وأن ينفع بها المسلمين والمسلمات، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه...، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
--------------------
(1) رواه أحمد (2/223).
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه الحاكم (4/436) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي عبد الله بن عباش، وإن كان قد احتج به مسلم، فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة.
(4) رواه مسلم في اللباس والزينة (2128 / 125).
(5) رواه البخاري في النكاح (5096)، ومسلم في الرقاق (2740، 2741).
(6) رواه البخاري في جزاء الصيد (1838)، ومالك في الموطأ في كتاب الحج (1/268) رقم (15)، وأحمد (2/119)، وأبو داود في المناسك (1825، 1826).
(7) رواه مسلم في التوبة (2759)، وأحمد (4/395، 404).
(8) رواه البخاري في التوحيد (7405)، ومسلم في الذكر والدعاء (2675، 2686).
(9) رواه البخاري في الأدب (5999)، ومسلم في التوبة (2754 / 202).