المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلام التحية المباركة الطيبة


Eng_Badr
11-11-2010, 09:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام التحية المباركة الطيبة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
نواصل حديثنا حول التحية المباركة «السلام».
السلام على المرأة
سلام المرأة على المرأة هو سنة كسلام الرجل على الرجل، ورد السلام من المرأة على مثلها كالرد من الرجل على سلام الرجل.
وأما سلام الرجل على المرأة، أو المرأة على الرجل فللعلماء أقوال تتلخص في التالي:
الأول: جواز التسليم بشرط أمن الفتنة:
ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية السلام على المرأة الأجنبية عند أمن الفتنة، وكذلك ردّ المرأة على الرجل بالسلام.
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال، وساق حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -، قال: كانت لنا عجوز ترد إليَّ بُضاعة تحل بالمدينة فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر، وتكركر حبات من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها فتقدمه لنا...». ومعنى تكركر: أي تطحن.
قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على ترجمة هذا الباب: أشار البخاري بهذه الترجمة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال.
والمراد بجواز التسليم بين الرجال والنساء، أن يكون عند أمن الفتنة.
قال الحليمي: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم لعصمته مأمونًا من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة، فليسلم، وإلا فالصمت أسلم، وقال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء: والنساء على الرجال جائز، إذا أمنت الفتنة. فتح الباري (11/35، 36).
وروى أبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: مرّ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم.
وأما إن كانت تلك المرأة شابة يخشى الافتتان بها أو يخشى افتتانها هي أيضًا بمن سلم عليها فالسلام عليها، وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية: أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضًا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه. [الموسوعة الفقهية 25/166].
قال الإمام النووي: جماعة النساء يسلم الرجل عليهن، والواحدة يسلم عليها النساء، والزوج والسيد والمحرم سواء أكانت جميلة أو غير جميلة، والمرأة العجوز التي لا تشتهى يستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزم الآخر رد السلام، والشابة أو العجوز المشتهاة لا تسلم على الأجنبي ولا يسلم عليها، ومن سلم لا يستحق الرد ويكره رد جوابه. شرح مسلم (14/149).

الرأي الثاني: التسليم على المرأة العجوز دون الشابة
ذهب الإمام مالك وبعض العلماء إلى جواز التسليم على العجائز دون الشابات لخوف الفتنة بحق الشابات، وانعدامها بالنسبة للعجائز، وهذا قول عطاء وقتادة، واستدل المالكية بحديث سهل السابق، ومنعوا السلام بالنسبة للشابة سدًا للذريعة ومنعًا للفتنة.

الرأي الثالث: منع السلام مطلقًا بين الرجل والمرأة:
قال الحافظ ابن حجر: قال الكوفيون: ويبدو أنه يريد بهم الحنفية لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة.
قالوا: ويُستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها. قال المتولي: إن كان للرجل زوجة أو محرم أو أمة فكالرجل مع الرجل. فتح الباري (11/37).
بل يسن أن يسلم الرجل على أهل بيته ومحارمه، ورد السلام منهن عليه واجب.

الرأي الراجح
ما ذهب إليه الجمهور أولى، وهو الرأي الأول، لقوة الأدلة فيه، وحديث مسلم أن أم هانئ بنت أبي طالب أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت.
فالجمال مظنة الفتنة، ولهذا كره الجمهور السلام عند خوفها، وقد تكون الشابة غير جميلة فلا يفتن بها، وقد تروق العجوز في عين من يقاربها، والناس يختلفون في تقديرهم، والنساء فتنة الفتن، والسلامة لا يعدلها شيء، وفي البعد عنهن خير كثير، وسلامة للقلب وطهارة له وزكاة للنفس وهو أرضى لله، هذا مجرد إلقاء السلام.
أما المصافحة للنساء، فالمصافحة: هي الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد عند اللقاء والسلام تأكيدًا له وتوثيقًا، وقد فرق الإسلام بين الذكر والأنثى في المصافحة.
مصافحة الرجل للرجل سنة مجمع عليها عند التلاقي لا خلاف في ذلك، بل هي شعار المؤمنين الذين يمتازون به عن غيرهم، وتدل على كمال المحبة والأخوة والصفاء، وأجرها كبير عند الله - تعالى -.
أما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، وهي التي يحل له زواجها فهي حرام باتفاق الأئمة جميعًا، ويدخل في ذلك أخت الزوجة وعمتها وخالتها وبنت العم وبنت الخال، وزوجة الأخ... إلخ، وإذا كان النظر إلى المرأة الأجنبية محرمًا، فلا ريب أن لمس المرأة أشد تحريمًا.
والمسلم عليه أن يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالصحابة والصالحين والعلماء العاملين، ولقد نصت الأحاديث الصحيحة على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يضع يده في يد امرأة أجنبية قط، فقد روى البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ [الممتحنة: 12]. قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد بايعتك كلامًا، ولا والله ما مسَّت يدُه يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك».
وفي رواية مسلم: «انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النساء قط إلا بما أمره الله - تعالى -، وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف امرأة قط، وكان يقول لهن: إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلامًا».
وروى الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، والترمذي وغيرهم من حديث أميمة بنت رقيقة - رضي الله عنها -، أنها قالت: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله، نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فيما استطعتن وأطقتنَّ». قالت: والله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة - أو مثل قولي لامرأة واحدة».
قال الحافظ ابن حجر: إنه - صلى الله عليه وسلم - بايع النساء بالكلام لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة. الفتح (8/449).
وقال الإمام النووي في شرحه للأحاديث: فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وقال: وفيه أنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة.
وروى الطبراني بسند حسن من حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له».
فسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الامتناع عن مصافحة النساء الأجنبيات، والتحذير من لمسهن، وهي سنة تدعو إلى العفة والطهر والفضيلة، ومع ذلك خالف أناس كثيرون هذه السنة واتبعوا أهواء الذين لا يعلمون، وانتشرت مصافحة المرأة الأجنبية خاصة في المناسبات من أعياد وغيرها، ويعدون ذلك من باب المجاملة، ولا مجاملة على حساب الدين.
والحق أن هذا هوى للنفس، والنفس تميل إليه عند أهل الدنيا ومن لا حظ لهم من العمل بالسنة.
وقد انتشر أمر المصافحة بين الرجال والنساء الآن في كل حال لا سيما بين الجيران والأصدقاء والأقارب والزملاء في العمل وصار أمرًا معروفًا.
وأما الامتناع عن المصافحة من المسلم الغيور العالم بدينه المراقب لربه، فذلك أمر منكر وشاذ.
والمسلم الصالح يعمل بدينه ويتبع طريق الحق وإن قل سالكوه ويرفض طريق الباطل وإن كثر الهالكون فيه.
وما على الإنسان إلا أن يكون صادقًا في نيته ماضيًا في عزيمته فلا يبالي بمن ضل عن الحق، ولا يبالي بالساخرين ما دام في ذلك رضا رب العالمين، وهو - سبحانه - وليه يكفيه شر الناس، وهو قادر على أن يرضيهم عنه. [راجع: صلاح الأمة على هدي السنة ص39].
وعليه لا يجوز مصافحة الرجال للنساء الأجنبيات سواء أكان الإنسان في زيارة لأقاربه أو جيرانه أو دخل على زميلة له في العمل، ولا يتعلل البعض بأن نيته سليمة لا يقصد لذة ولا يشعر بشيء عند المصافحة، أو أنه يصافح خشية إحراج المرأة إذا مدت يدها فردَّها.
والحق أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا أثر لغضب الإنسان أو رضاه، وما ذلك التعلل إلا من تزيين الشيطان الرجيم ومكره.
وشرع ربنا الحكيم لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر.
وقد يخلط بعض الناس بين حكم لمس المرأة الأجنبية ومصافحتها، وبين حكم نقض الوضوء من لمسها.
فللأئمة أقوال تتلخص في:
الشافعية والحنابلة: ينتقض الوضوء بلمس المرأة الأجنبية والزوجة.
الحنفية: لمس الزوجة والمرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء مطلقًا.
المالكية: ينتقض الوضوء عند قصد الشهوة، أو وجود الشهوة ولو بدون قصد، وأما إذا لم يجد شهوة ولم يقصد شهوة، فلا ينقض وضوؤه.
وقد يكون الشيء حرامًا ولا ينقض الوضوء، فالكذب والغيبة والنميمة والنظر حرام، ومع ذلك فلا ينقض الوضوء. [المرجع السابق ص35].
وللحديث بقية، بإذن الله - تعالى -.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.