المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا شيء يسـاوي الحرية!!


Yara
09-11-2010, 03:13 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


حينما رفع النبي يوسف أكف الدعاء لربه مستنجداً من غواية النسوة قائلاً:

( رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ).

كان يطلب حريةً و لم يكن يطلب سجناً.

و المسألة نسبية.. فما يحصل عليه من حرية في زنزانة و هو مقيد اليدين
و القدمين أكثر بكثير مما يتبقى له من حرية ساعة شهوة. فحينما تجمح الشهوة
لا تبقي لصاحبها حرية فهو لا يرى إلا على مرمى ساقين و لا يسمع إلا على مرمى شفتين و لا يعي حكمة و لا يبصر عاقبة و لا يحفظ عهداً و لا يرعى واجباً..
و هو أعمى أصم مقيد الذراعين و الساقين إلى حركة آلية و فعل لا معقول كل هرموناته و دمه و فكره و حسه و مواهبه في خدمة هذه اللحظة اللامعقولة من الإشباع و الفناء الذي يشبه السقوط في هوّة اللاشيء.. و ذلك هو منتهى السجن و
منتهى استنفاد الطاقة و استفراغ القوة و إنهاك العزم و تبديد الهمة.. ثم لا يكون بعد ذلك إلا الخمول و البلادة و الاسترخاء و الرغبة في النوم و الرغبة في عدم التفكير في شيء.

تلك الزوبعة التي تعصف بالدم و تطيش بالعقل و تذيب المفاصل و تأسر الجسد و هي ذروة العبودية.

و لهذا قال النبي يوسف صارخاً.

ربّ السجن أحب إلي من هذا الخضوع لهؤلاء النسوة.. فالزنزانة و لا شك أرحب و أوسع من قبضة شهوة امرأة حينما تتسلل إلى النخاع و تعتصر المخ و تحجب العينين و تسدّ الأذنين و تغلق منافذ القلب فلا يعود شيء في الكون يسمع إلا لهاث أنفاسها.. فكأنما أصبحت هي المحراب و الصنم و القبلة.. و مائدة القرابين.

و السجن هنا منتهى الحرية بالنسبة لهذا القيد الشامل المطلق.. و هو أحب ألف مرة لأي رجل في كمال و عقل النبي يوسف يريد أن يصعد و يحلق إلى السماوات فلا شيء يساوي الحرية أبداً.

و أي لذة و أي مقابل فوري مادي أو حسي لا يساوي عقلاً طليقاً و خيالاً محلقاً و فؤاداً مرفرفاً و وجداناً طائراً و فكراً مهاجراً و قلباً مسافراً و أقداماً ساعية لا تحد حركتها حدود.

نعم لا شيء يساوي الحرية.

و أحسن استثمار للحرية أن تبذلها لوجه الله فتجعلها في خدمة الحق و العدل
و الخير.. فالعبودية للخالق تحررك من العبودية للخلق و تخلع الحاكمية عن كل
الذين حكموك فلا يعود يحكمك أحد و لا يعود يحكمك شيء.. بل تصبح أنت بحكم الخلافة عن الله حاكماً على الكل.. و تصبح لكلماتك ربانية على الجميع.. و يطيعك البر و البحر و الريح و تنقاد لك الشعوب و يستمع إليك التاريخ.

كيف تبلغ هذه الدرجة من الحرية؟

يقول سادتنا الأكابر:

منذ أن تفتح عينيك لتصحو حتى تغلقهما لتنام لا تعلق همتك بأمر من الأمور الدون.

لا تنم على غلّ و لا تصحَ على شهوة و لا تسع إلى طمع و لا تسابق إلى سلطة
و إنما اجعل همك و اهتمامك في الخير و البر و الحق و الصدق، و المروءة و المعونة قاصدا وجه ربك على الدوام.

حاول أن يكون فعلك مطابقاً لقولك، و سلوكك مطابقاً لدعوتك..
فإذا غلبتك بشريتك و هزمك هواك في لحظة.. لا تيأس و إنما استنجد و استصرخ ربك..
و قل : الغوث يارب.. يقل لك لبيك عبدي و يخرجك بيده من ظلمة نفسك إلى نوره.

فإنك إن كنت أحد عمّال الله في الأرض و أحد سفرائه إلى قلوب الناس..
فإنه سوف يرحمك إذا أخطأت و يغفر لك إذا أسأت و يعيدك إلى الطريق إذا انحرفت.. و سوف يرعاك و يتولاك لأنك من جنده و حاشيته و خاصته.

و لا تيأس مهما بلغت أوزارك و لا تقنط مهما بلغت خطاياك..
فما جعل الله التوبة إلا للخطاة و ما أرسل الأنبياء إلا للضالين
و ما جعل المغفرة إلا للمذنبين و ما سمى نفسه الغفار التواب العفو الكريم إلا من أجل أنك تخطئ فيغفر.

جدد استغفارك كل لحظة تجدد معرفتك و تجدد العهد بينك و بين ربك و تصل ما انقطع بغفلتك.

و اعلم أن الله لا يمل دعاء الداعين.. و أنه يحب السائلين الطالبين الضارعين الرافعي الأكف على بابه.. و إنما يمقت الله المتكبر المستغني المختال المعجب بنفسه الذي يظن أنه استوفى الطاعة و بلغ غاية التقوى و قارب الكمال.. ذلك الذي يكلم الناس من عل و يصافحهم بأطراف الأنامل.

ثم بعد التوبة و الاستغفار و التخلي عن الذنوب و التبرؤ من الحول و الطول.. يأتي التحبب و التقرب و التخلق و التحقق.

حاول أن تتحلى بأخلاق سيدك.. فإذا كان هو الكريم الحليم الصبور الشكور العفو الغفور.. فحاول أن يكون لك من هذه الصفات نصيب.

فإذا غالبتك نفسك الأمارة.. اسجد و ابك و تضرع و توسل.. و قل بين دموعك:

يا من عطفت على الطين فنفخت فيه من جمالك و كمالك.

يا من أخرجت النور من الظلمة.

يا من تكرمت على العدم

أخرجني من كثافتي و حررني من طينتي و خلصني من ظلمتي و قوني على ضعفي و أعني على نفسي.. فلا أحد سواك يستطيع أن يفعل هذا.. أنت يا صانعي بيديك.

ثم يقول سادتنا الأكابر :

إن الجهاد يطول فلا تتعجل الثمر.. فكلما عظمت الأهداف طال الطريق.. فلا تبرح الباب.. و أطل السجود.. و أدم البكاء.. فإنك لا تطلب نيشاناً أو جائزة و إنما تطلب وجه صاحب العرش العظيم.

تطلب رب السماوات.

تطلب العزيز الذي لا يرام.

و ذلك مطلب لا يبلغه طالب إلا بعد أن يبتلى و يمتحن و يتحقق إخلاصه.. و يشهد الملائكة منزلته و يرى الملأ الأعلى بينته.

فكيف يصحب الملائكة المقربين إلا النفر الكرام الذين تخلقوا بأخلاقهم.

و كيف تصعد إلى السماوات إلا بعد أن تلقي بمتاعك الأرضي و أثقالك.. ثم تلقي بنفسك الحيوانية من حالق.. ثم تلقي بغرورك و أنانيتك و شهواتك و أطماعك.. و تتجرد من دواعي بشريتك.. و تعود كما خلقك الله نوراً من نوره.

حينئذ تبلغ الحرية حقاً.. و تشاكل الأبرار و الشهداء و القديسين و الملائكة.

و ذلك معراج يحتاج إلى عمر بطوله و إلى زاد من التقوى و المحبة و الطاعة و صبر على البلاء و لا يقدر على هذا إلا آحاد.

و لهذا خلقت الجنة.

و لهذا كانت الأكثرية ترتع في النار من الآن.

من كتابات الدكتور مصطفى محمود رحمه الله