المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسانيد آية الرجم


Eng_Badr
01-11-2010, 10:07 PM
أسانيد آية الرجم
الشيخ حمد إبراهيم العثمان



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد كان الشيخ الفاضل العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- يشرح كتاب "زاد المستنقع" في الفقه الحنبلي -كتاب الحدود منه- وتكلم فضيلته عن الرجم في حق الزاني المحصن، وذكر حفظه الله أن هذا الحكم ثابت بالسنة لفظًا وحكمًا، وأنه ثابت بالقرآن حكمًا وأن لفظه منسوخ، وذكر رحمه الله ما تناقله الفقهاء والمفسرون من أن الآية المنسوخة في الرجم هي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم". والشيخ -رحمه الله- بصير ناقد للنصوص لا يقبلها إلا بعد تدبر وتمحيص، وأورد الشيخ - رحمه الله- إشكالا على الآية المذكورة وقال:
إن حكم الرحم مناط بالإحصان، وليس بالشيخوخة كما في الآية المذكورة، فالشاب المحصن يرجم، والشيخ غير المحصن لا يرجم، وإن بلغ من العمر عتيًّا. وهذا لا يفيده ظاهر الآية.
ووقع في قلبي - لما ذكر الشيخ كلامه حول الآية المذكورة- أن أجمع الأسانيد المذكورة للآية، ويسر الله ذلك بعد زمن، ولله الحمد والمنة.
قال النسائي رحمه الله في السنن الكبرى (4/273): أخبرنا محمد بن منصور المكي قال: ثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول::"قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أحصن وكانت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف؛ وقد قرأناها{الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.[1]
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (رقم 8725)، ومن طريقه ابن ماجه في السنن، (2553) وأصل الحديث مخرج في الصحيحين بأطول من هذا اللفظ، أما التنصيص على أن آية الرجم هي: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}؛ فهي من إفراد سفيان بن عيينة عن الزهري، وقد خالف سفيان ثمانيةٌ من أصحاب الزهري في روايتهم عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول: الحديث، وهؤلاء الثمانية هم:
1- صالح بن كيسان؛ كما في صحيح البخاري (رقم 6830).
2- يونس بن عبد الأعلى؛ كما في صحيح مسلم رقم (1691)، وسنن النسائي الكبرى (رقم 7158-4/247).
3- هشيم؛ كما في مسند الإمام أحمد (1/29)، وسنن أبي داود رقم (4418).
4- معمر؛ كما في مصنف عبد الرزاق رقم (13329)، ومسند الحميدي (1/15، 16)، وأحمد في مسنده (1/47)، والترمذي في جامعه رقم (1432).
5- مالك؛ كما في موطئه ص(823)، والشافعي في الأم (5/154)، وأحمد في المسند (1/40)، والدرامي في مسنده (2/179)، والنسائي في الكبرى رقم (7158 - 4/274).
6- عبد الله بن أبي بكر بن حزم؛ كما في "السنن الكبرى للنسائي" رقم (7159 - 4/274) بإسناد صحيح إليه.
7- عقيل؛ كما في "السنن الكبرى للنسائي" (7160 - 4/274).
8- سعد بن إبراهيم[2]كما في مسند أحمد (1/50)، وسنن النسائي الكبرى (7151 - 4/272) بإسناد صحيح إليه.
وبهذا يتبين أن الآية: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة} غير محفوظة في حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه المذكور بالطريق السابق.
قال أبو عبد الرحمن النسائي رحمه الله في سننه الكبرى (2/273): "لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: {الشيخ والشيخة فارجموهما البتة} غير سفيان، وينبغي أنه وهم"، والله أعلم. اهـ.
والذي يدل أيضًا على أن سفيان بن عيينة لم يحفظه هو ما صرح به؛ كما في مسند الحميدي (1/16)، فقال: "سمعته من الزهري بطوله، فحفظت منه أشياء، وهذا مما لم أحفظ منها يومئذ". اهـ.
وقال العلامة مالك رحمه الله في "الموطأ" (ص824) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه[3]يقول: "لمَّا صدر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من منى أناخ بالأبطح، ثم كومكومةً بعلجاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مدَّ يديه إلى السماء" فقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس، فقال: أيها الناس، قد سنَّت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتها: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}فإنا قد قرأناها"[4].رجاله ثقات، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، وقد اختلف في سماع سعيد بن المسيب من عمر رضي الله عنه، وقد ذكرت كلام أهل العلم في ذلك في دراستي لكتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه (ص13 - 15).
وقد خالف يحيى بن سعيد الأنصاري داود بن أبي هند، فرواه عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه، ولم يذكر قوله: {والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}، كما في مسند مسدد[5]، و"الحلية" لأبي نعيم (3/95)، والله أعلم.
وقال النسائي في "السنن الكبرى" (4/270): أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرني الليث بن سعد عن سعيد بن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن أبي أمامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت: لقد أقرانا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم: {الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة}.
ورواه النسائي في الكبرى أيضًا (4/271): أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا ابن مريم قال: إن الليث قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال به.
وهذا إسناد ضعيف آفته مروان بن عثمان الذي ضعفه أبو حاتم، وقال عنه النسائي: ومَنْ مروان بن عثمان حتى يصدق على الله عز وجل. اهـ، ثم هذه الآية تخالف في اللفظ ما رواه الثقات الحفاظ.
وقال النسائي في السنن الكبرى (4/271- رقم 7148): أخبرنا إسماعيل بن مسعود الجحدري، قال: ثنا خالد بن الحارس، قال: ثنا ابن عون عن محمد، قال: نبئت عن ابن أخي كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد بن ثابت فقال زيد: كنا نقرأ {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}، فقال مروان لا تجعله في المصحف، قال: ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ذكرنا ذلك وفينا عمر فقال: أنا أشفيك، قلنا: وكيف ذلك؟ قال: أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله، فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر آية الرجم فأقول: يا رسول الله أكتبني آية الرجم، قال:فأتاه فذكر آية الرجم، فقال: يا رسول الله أكتبني آية الرجم قال: (لا أستطيع).
إسناده ضعيف؛ لجهالة عين من نبأ محمد عن كثير بن الصلت.
وقال الإمام أحمد في المسند (5/132): ثنا خلف بن هشام، ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}.
إسناده حسن ورجاله معروفون مشهورون، قال ابن حزم في "المحلى" (11/235): "هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه". اهـ. وقال ابن كثير في تفسيره (3/465): "وهذا إسناد حسن". اهـ.
وتابع حماد بن زيد في روايته عن عاصم به كل من:
1- منصور بن المعتمر؛ كما في "السنن الكبرى" للنسائي (4/271)، وصحيح ابن حبان (6/302).
2- وحماد بن سلمة كما في صحيح ابن حبان (6/302) ومستدرك الحاكم (2/415).
3- وسفيان الثوري كما في "المحلى" (11/234).
4- وابن فضالة كما في مسند الطيالسي (ص 73).
قال ابن حزم في "المحلى" (11/235): "فهذا سفيان الثوري، ومنصور شهدا على عاصم ما كذبا، فهما الثقتان الإمامان البدران، وما كذب عاصم على زر، ولا كذب زر على أبي". اهـ.
وقال الإمام أحمد في المسند (5/183): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن قتادة عن يونس ابن جبير، عن كثير بن الصلت قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصحف، فمروا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة}، فقال عمر: لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبنها. قال شعبة: فكأنه كره ذلك.
فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم.
ورواه كل من: الدرامي (2/179)، أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي، ثنا العقدي، ثنا شعبة به.
والنسائي في الكبرى (4/270)، أخبرنا محمد بن المثني، حدثنا محمد به.
وإسناده حسن، وابن العاص هو سعيد، وقتادة أحد الثلاثة الذين كفانا شعبة تدليسهم، على أنه قد صرح بالتحديث من يونس بن جبير، كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (8/211).
قال ابن حزم في "المحلى" (11/235): "وهذا إسناد جيد" اهـ.
وبالعودة إلى أصل المسألة، وهو أن حكم الرجم مناط بالإحصان، وليس بالشيخوخة، لا نجد أن مادة (شيخ) في لغة العرب تفيد الإحصان.
قال الجوهري في "الصحاح" (1/425): "شيخ: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة".
قال أبو عبيد: "كأنها شيخة رقوب".
وقد شاخ الرجل يشيخ شيخًا بالتحريك، جاء على أصله، وشيخوخة وأصل الياء المتحركة سكنت؛ لأنه ليس في الكلام فعلول.
ثم قال: "وشيَّخَ تشييخًا، أي شاخ، وشيَّخته: دعوته شيخًا للتبجيل.
وتصغير الشيخ شُييخٌ وشييخٌ أيضًا بالكسر، ولا تقل شويخ". اهـ.
وقال ابن فارس في "معجم مقاييس" اللغة (3/234):
"شيخ الشين والياء والخاء كلمة واحدة، وهي الشيخ، تقول: هو شيخ، وهو معروف بين الشيخوخة والشيخ والتشييخ".
وقد قالوا أيضًا كلمة، قالوا: شيَّخت عليه. اهـ.
والجواب الأمثل والله أعلم، عن الإشكال المذكور هو أن نقول: إن قوله (الشيخ والشيخة) عام أريد به الخاص، وهو المحصن من الشيوخ، وإلى هذا أشار جماعة من السلف، قال الإمام مالك -رحمه الله- في "الموطأ" (ص824): "قوله (الشيخ والشيخة) يعني الثيِّب والثَّيبة". اهـ.
ولهذا كان يورد بعض الصحابة والتابعين لفظة (الشيخ) في مقابل الشاب المحصن مشيرين بذلك إلى مراد الآية، وهو المحصن من الشيوخ، قال أبو محمد بن حزم في "المحلى" (11/234):
"عن أبي ذر قال: الشيخان يجلدان ويرجمان والثيبان يرجمان، والبكران يجلدان وينفيان. وعن أبي ابن كعب قال: يجلدون ويرجمون يجلدون ولا يرجمون، وفسره قتادة قال: الشيخ المحصن يجلد ويرجم إذا زنى، والشاب المحصن يرجم إذا زنى، والشاب إذا لم يحصن زنى، وعن مسروق قال: البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان، ولا يجلدان والشيخان يجلدان ويرجمان". اهـ.
أما الشاب المحصن، فالرجم ثابت في حقه إذا زنى بدلالة نصوص أخرى غير الآية المنسوخة لفظًا الثابتة حكمًا. كما في حديث عبادة بن الصامت الذي رواه مسلم في صحيحه (رقم 1690). وفي حديث المرأة التي زنى بها العسيف، فرجمها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت محصنة، كما في صحيح البخاري (رقم 6827)، ومسلم (رقم 1697).
وفي رجم ماعز بن مالك وهو شاب، كما في صحيح البخاري (رقم 6815)، وصحيح مسلم (رقم 1318)، وفي رجم الغامدية وهي شابة، وليست شيخة؛ بدليل أنها كانت حبلى من الزنى، كما في صحيح مسلم (رقم 1695- 23)، والله أعلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



[1]روى هذا الطريق البخاري أيضًا في صحيحه رقم (6829) من دون ذكر للفظة: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجموهما البتة)، وكأنها لم تصح عنده من هذا الطريق، وقد غفل الإسماعيلي عن هذا الإعلال الدقيق، وأورد اللفظة التي أعرض عنها البخاري في مستخرجه على الصحيح من نفس الطريق. وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (12/143).

[2]سعد هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ثقة، رواه بنفس الإسناد الذي ساقه أصحاب الزهري في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عنه كما في "السنن الكبرى" للنسائي (4/272 - رقم 7153)، ورواه بإدخال عبد الرحمن بن عوف بين عبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في رواية كل من:
1- غندر عن شعبة عنه؛ كما في مسند أحمد (1/50)، وسنن النسائي (4/273).
2- حجاج بن محمد عن شعبة عنه؛ كما في مسند أحمد (1/50)، وسنن النسائي الكبرى (4/273)
3- عبد الرحمن بن غزوان؛ كما في سنن النسائي الكبرى (4/272).
4- أبو داود الطيالسي في رواية أيضًا؛ كما في سنن النسائي الكبرى (4/272).
3 المراد: أن يحيى بن سعيد هو الذي سمع سعيد بن المسيب يقول: لما صدر عمر ... الحديث، كما هو واضح أيضًا في رواية محمد بن الحسن (ص421).
4 لفظة: (إذا زنيا) سقطت من النسخة المطبوعة للموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي مثبتة في النسخة المطبوعة رواية محمد بن الحسن (ص241).
5 انظر "تهذيب التهذيب" (4/88).