المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الضوابط المنهجية للاستدلال بالنصوص الشرعية


Eng_Badr
27-10-2010, 05:49 AM
الضوابط المنهجية للاستدلال بالنصوص الشرعية
د: حسن سالم






1- الاستيثاق من ثبوت النص وصحة نسبته إلى مصدره إذا كان حديثاً نبوياً.

إن أول ما يجب على المستدل بالنص الشرعي والمتعامل معه أن يتحقق مـن صحّة نسبة ذلك النص إلى مصدره ، أي أنّ مرادنا بهذا الضابط أن يعني المتعامل مع النص الشرعي بالتثبت ،والتأكد من كون النص الذي يبني عليه الحكم ، نصاً منسوباً نسبة صحيحة إلى مصدره الذي هو الشارع.
ذلك أنّ المجتهد مهما بذل من جهد في فهم النص ، وأخلص في سعيه إلى التوصل إلى المراد منه ، فإنّ جهده كلّه يظل جهداً غير معتبر ولا مهم إذا تبيَّن عدم صحة نسبة ذلك النص إلى مصدره نسبة يقينية ، ولكي يستفيد المجتهد من وقته وجهده ، ينبغي له أن يعنى بمراعاة هذا الضابط ، ويقدمه على أيّ إجراء منهجي يقوم به عند إرادته فهم نص شرعي أو الاستدلال به لكونه الأساس الذي يهـدف الاجتهاد إلى فهمه والعمل بمقتضاه في حالة صحّـة نسبته إلى مصدره . وأيّ نص لا تصح نسبته إلى مصدره ، فلا داعي في البحث عن فهم محتواه ومضامينه .
وهـذا الضابط ينحصر في الأحاديث النبوية وحدها ، ولا يخص القرآن الكريم الذي يستغني عن هذا الضابط[1]، لأنّ القرآن الكريم كله قد ثبت ثبوتاً متواتراً لا شك فيه ، ذلك أنّه لم يزل كما أنزله الله سبحانه على قلب النبي محمد r ، وكمـا لقّنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم ، وتلقاه عنهم مَن بعدهم جيلاً بعد جيل ، وأُمَّة عن أُمَّة ، بصورة متواترة لفظاً ومعنى ، محفوظاً في الصدور، مكتوباً في المصاحف ، متلوًّا بالألسنة ، مسموعاً في المساجد والمعاهـد والمنازل ، محـوطاً بكلّ معاني التكريم والتقديس ، حتى وصل إلينا سالماً من أيِّ زيـادة أو نقصان ، فهو قطعي من حيث الثبوت بإجماع الأمة. وهذا من فضل الله ـ سبحانه ـ على المسلمين ، فإنّهم وحدهم الذين يملكون المصدر الوحيد الذي يتضمن كلمات الله تعالى الأخيرة للبشر سالمة من كل تحريف أو تزييف .
والحديث النبوي في اصطلاح المحدثين هو: "ما أُضيف إلى النبيّ rمن قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلقي أو خُلُقي" . وهو يرادف السنة النبوية في اصطلاحهم ، ذلك أن الحديث النبوي هو الذي يدل على السنة النبوية[2]. ومن الأحاديث النبوية ما يفيد الوجوب أو الحرمة ، ومنها ما يفيد الندب أو الكراهة ، ومنها ما يفيد الإباحة .
وإذا كان التّوثّق من ثبوت النّص والتأكد مـن صحته ـ إذا كان حديثاً نبوياً ـ هو الضابط الأول الذي لابدّ منه قبل أن نستدل بالحديث ،أو نستنبط منه الحكم الشرعي العملي أو الأخلاقي ، فإنّه لا يتم لنا هذا التأكد إلاّ إذا تَحقَّقنا مِن أنّ الحديث قد استوفى جميع شروط القبول ـ التي نَصَّ عليها علماء الحديث النُّقاد ـ سنداً ومتناً ، وعملنا بالمعايير النّقدية لأهل الحديث وعرفنا ما قيل في الحديث من حكم .
واقتصار عمل هذا الضابط المنهجي على الحديث النبوي دون القرآن إنمّا هو بسبب أنّ الأحاديث النبوية لم تدوَّن في حياة النبي r تدويناً رسمياً كما دُوِّن القرآن الكريم ، ولم يتخذ النبي r لنفسه كتبة يكتبون الحديث كما كُتِبَ القرآن الكريم ، ولم يأذن فـي جمع الأحاديث وتدوينها وكتابتها ـ بحيث تَتَّخذ طابع التدوين العام ، أي مرجعاً يُتَدَاول بين الصحابة y ـ كما أذن لهم في جمع القرآن وكتابته على وجه الشمول والاستيعاب ، فقد رُوي عنه r النهـي عن كتابة الحديث ، حيث رَوي الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ رسول الله r قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ وَمَنْ كَتَبَ شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ"[3].
وقد رأى بعض العلماء أن هذا النهي لأسباب ، منها: حَصْر جهود الصحابة y في نطاق تدوين القرآن الكريم وحفظه ، والخوف من حدوث اللَّبْس والاختلاط عند العامة بين الصحف التي كُتِب فيها القرآن بِصُحُف الحديث ، وخاصة فـي فترة نزول الوحي بالقرآن ، وقبل اكتمال تدوينه حيث أنّ عامة المسلمين لـم يعتادوا على أسلوب القرآن ، إلى جانب أنّ أغلبهم أُمِّيُّون ، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم[4].
وهذا من الشواهد على صدق النبي r ، إذ أنه ميّز كلام الله I عن حديثه ، كي يبقى الكتاب معجزة الإسلام الكبرى ، فصانه مـن كلّ شيء يكتب إلى جانبه حتى ولو كان السنة .
ومعنى ذلك هو أنّ المُعوَّل عليه في حفظ الحديث وضبطه في حياة النبي r كان هو التَلَقّي والسَّماع ، والاعتماد على الحفظ والذاكرة .
ولذلك فإنّ معظم الروايات والأخبار التي وصلتنا عن رسول الله r لم تُنقل إلينا ـ كما نقل القرآن الكريم ـ نقلاً كتابياً متواتراً مكتوباً في السطور إلى جانب حفظها في الصدور ، وإنما نُقلَت إلينا مـن طرق آحاد من الصحابة ، نقلاً معتمداً على الحفظ والذاكرة ، ممّا جعل بعضها يتعرَّض لأوهام الرواة وخطئهم ونسيانهم ، كمـا أنّ أعداء الإسلام لم يجدوا منفذاً للدَسِّ والكيد للدِّين وأهله إلاّ عن طريق أخبار الآحـاد ، دون القرآن الكريم أو السنّة المتواترة ، لأن القرآن متواتر محصور بين الدفَّتين ،إلى جانب أنّه محفوظ في الصدور ، فهو معلوم ضرورة ، وكذا الأحاديث المتواترة محفوظة ومعلومة ضرورة[5].
ومن هنا كانت الحاجة ماسَّة إلى تمحيص روايات وأخبار الآحاد ،وتنقيتها ممَّا علق بها من الزائف والدّخيل ، ممّا دفع علماء الحديث إلى وضع منهج تاريخي نقدي ، هو عبارة عن قواعد نّقدية تدرُس وتُمحّص جوانب رواية الحديث أو الخبر كلّها ـ سنداً ومتناً ـ دراسة نّقدية تامّة كاملة شاملة . أي أنّ هذا المنهج لا يُسَلِّم بالنص دون محاكمة ونقد ، بل لا بد أن تثبت نسبة النّص إلى قائلـه ، وأن يُنْظَر فيه نظرة فاحصة ثاقبة لمعرفة اتفاقه مع الأسس الثابتة والمبادئ العامة في الشرع الإسلامي .
وقد كفانا علماؤنا منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم هذا الجانب المُعين على التوثيق في جانبي الرواية: أي في جهة السند ، وفي جهة المتن وقدّمت الدّراسات التي تشهـد لعلماء الحديث بالسّبق والرّيادة والدّقة العلمية في توثيق روايات الحديث ، وتمييز بعضها من بعض ، بالفوارق اليسيرة التي لا يُتنبّه إليها إلاّ من عنى بتحقيق اليقين فيما ينسب إلى الرسول الكريم r لأنّه الدّين .
ومـن قواعد هذا المنهج القائمة على البحث والاستقصاء والتفكير السليم والتي تعتبر أصح القواعد للاستثبات من النصوص المروية وتمحيصها ، ما اشترطه علماء الحديث مـن شروط في الرواة وفي الرواية ، حيث إنهم اشترطوا شروطاً دقيقة محكمة فـي الرواة تفي بسلامة النقل ، وجعلوها مقياساً للراوي المقبول والراوي المردود ، كما اشترطوا شروطاً أخرى للرواية المقبولة ، تكفل سلامة تناقل الخبر بين حلقات الإسناد ، وتكفل سلامته من العلل والقوادح الظاهرة والخفية ، وجعلوا من هذه الشروط جميعها معياراً أو مقياساً عاماً ، نعرفُ به ما يُقبل من الحديث أو يُردّ .
ومجموع هذه الشروط ستة ، هي : العدالة ، والضبط ، واتصال السند وفَقْد الشذوذ ، وفَقْد العلة القادحة ، والعاضد عند الاحتياج إليه[6].
فَتَحَقُّق هذه الشروط في حديث الآحاد يؤدّي إلى قبوله ، واختلالها أواختلال أحدها يؤدّي إلى ضعف الحديث وردِّه . فإذا اشتمل الحديث على شروط القبول هذه واستوفى المرتبة العليا من الضبط فهو الحديث الصحيح وإذا استوفى شروط القبول لكن كان في الحدِّ الأدنى من الضبط المقبول فهو الحديث الحسن ؛ فإذا وَجَد الحسن ما يَجبُرُ قُصُورَهُ ككثرة الطُّرق فإنه يَقْوَى ويرتقي من درجة الحسن إلى الصحيح ويسمّى الصحيح لغيره ؛ وإذا فَقَد الحديث بعض شروط القبول ـ بأن كان ضعيفاً ضعفاً غير شديد ـ وقامت قرينة ترجّحه وتقوّيه فإنه يرتقي بالتقوية أيضاً مـن درجة الضعيف إلى منزلة الحسن ويسمّى الحسن لغيره[7] .
وعلى ذلك فإنّ حديث الآحاد المقبول يشتمل على أربعة أنواع من علوم الحديث[8]، هي : الحديث الصحيح ، والحديث الحسن ، والحديث الصحيح لغيره ، والحديث الحسن لغيره .
"ووجه دلالة الشروط السابقة على قبول الحديث : أنَّ العدالة والضبط يُحقِّقان أداء الحديث كمـا سُمع من قائله ، واتصال السند على هذا الوصف في الرواة يمنع اختلال ذلك في أثناء السند ، وعدم الشذوذ يُحَقّق ويؤكد ضبط هذا الحديث الذي نبحثه بعينه وأنه لم يدخله وَهَم ، وعدم الإعلال يدلّ على سلامته من القوادح الخفيَّة بعد أن استدللنا بسائر الشروط على سلامته من القوادح الظاهرة "[9]. كما أنَّ تَوفُّر المتابعة في المستور تُرجّح الحديث الذي فيه ضعف غير شديد ـ ولم يكن ضعفه بسبب الطعن في عدالة الراوي وإنما بسبب سوء حفظه ـ وتقوّيه ، لأنه وإن كان في الأصل ضعيفاً إلا أنّهُ قد انجبر وتقوَّى بوروده من طريق آخر مع سلامته من أن يعارضه شيء ، فزال بذلك ما كان يُخْشَى من جهة سوء حفظ الراوي أو غفلته وتَحَصَّلَ بالمجموع قوة تدل على أنه ضبط الحديث[10] .
ولا يتسع المقام لتفصيل هذه الشروط ، ولا حاجة إلى ذلك ، وهي معلومة عند طلاب العلم ، ولكلٍّ منها دراسة مستفيضة في كتب أصول الحديث ومصطلحه ، قديمها وحديثها .
إلاَّ أن هناك قرائن اعتبرها العلماء عللاً تقدح في متن الحديث ، تجدر الإشارة إليها لارتباطها بهذا الموضوع ، فهي في الحقيقة تدخل تحت الشرط الخامس من شروط الرواية المقبولة ـ أي شرط انتفاء العلة القادحة - ولم يذكرها علماء المصطلح في كتبهم تحت هذا الموضوع - أي موضوع الشروط - وإنما ذكروها تحت موضوع آخر. لذلك كان من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أهمها بإيجازٍ .
وهذه القرائن هي - في الأصل - مقاييس استقاها العلماء من أسلافهم الصحابة والتابعين ، لنقد الأحاديث بالنظر إلى متونها ، دون النظر إلى أسانيدها ، وطبقوها على أيِّ حديث تنطبق عليه سواء أكان سنده صحيحاً أم ضعيفاً ، ومن العلماء الذين طبقوا تلك المقاييس على الأحاديث الصحيحة الأسانيد الإمام ابن القيم (ت 751 هـ) في كتابه: "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" ، حيث حكم على كثير من الأحاديث بالوضع أو الضعف ، كل ذلك بالنظر إلى متونها على حسب هذه المقاييس.
ومن أهـم هذه القرائن التي اعتبرها العلماء عللاً تقدح في متن الحديث دون أن يُنظر إلى سنده ، بل حتى وإن كان سنده صحيحاً ، ما يأتي :
(1) ـ مخالفة الحديث لصريح القرآن أو السنة المتواترة مع عدم إمكان الجمع والتوفيق في ذلك كلّه[11].
وممَّا اعتبره العلماء مخالفاً لصريح القرآن الكريم حديث : "مقدار الدنيا وأنه سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة" ، فهذا من أبين الكذب ، وهو موضوع بسبر متنه ،لأنه يجعل كل أحد عالماً بتوقيت القيامة[12]،وهو يناقض قولـه تعـالى: {يسألونك عـن الساعة أيَّان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجلِّيها لوقتها إلا هـو ، ثقلت فـي السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتـة}[13].
وممَّا اعتبره العلماء مناقضاً للسنة الصريحة مناقضة بيِّنة ، حديث "إذا حُدّثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به ، حَدَّثتُ به أو لم أحدِّث"[14]، فهذا يُعارض الحديث المتواتر الذي يقول : "من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"[15].
(2) ـ مخالفة الحديث لمقتضى العقل السليم بحيث لا يقبل التأويل[16]،ويلتحق به ما يدفعه الحسّ والمشاهدة والعادة[17]:
ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه مرفوعاً : " إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين"[18] . فهذا من السخافات التي لا يمكن أن يقولها عاقل وهو ركيك اللفظ والمعنى ، فلا يعقل صدوره عن النبيr ، وواضع هذا الخبر : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، مشهور بكذبه وافترائه[19].
ومما تشهد العادة والمشاهدة ببطلانه حديث : "أكل السمك يوهن الجسد"[20]. فالمشاهدة والعادة أنّ الناس يأكلون السمك ولم يحصل أنه كان سبباً في ضعف الجسد بل العكس هو الصحيح .
(3) ـ مخالفة الحديث للحقائق العلمية الثابتة في الكون :
ومن المخالف للحقائق العلمية الثابتة في الكون حديث : " إن الأرض على صخرة ، والصخرة على قرن ثور ، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فتحركت الأرض ، وهي الزلزلة " . قال ابن القيم : "والعجب من مُسَوِّد كُتبُه بهذه الهذيانات"[21] .
(4) ـ مخالفة الحديث للتاريخ الثابت ثبوتاً صحيحاً :
ومـن المخالف للواقع التاريخي الثابت ثبوتاً صحيحاً حديث : "وضع الجزية عن أهل خيبر"[22] ، حيث إن بعض اليهود زوَّروا كتاباً فيه أن رسول الله r أسقط عنهم الكُلَف والسُّخَر والجزية ، ووضعوا فيه شهادة بعض الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا الكتاب كذب مختلَق بإجماع أهل العلم ومناقض للتاريخ الصحيح الثابت من عِدَّة أوجه ، نذكر واحداً منها : وهو أنّ في هذا الكتاب شهادة "سعد بن معاذ " ، وسعد قد تُوفِّي قبل ذلك في يوم بني قريظة ، بعد غزوة الخندق بشهر ، أي سنة خمس من الهجرة ، قبل فتح خيبر بسنتين ، لأن خيبر فُتحت في سنة سبع من الهجرة ، ومعروف أن الجزية لم تكن قد شُرعت آنذاك ، وإنما أُنزلت آية الجزية بعد عام تبوك في السنة التاسعة من الهجرة[23].
وعليه فإن الحديث الذي توفرت فيه الشروط الستة السابقة ، وانتفت منه القرائن التي اعتبرها العلماء عللاً تقدح في متنه حتى وإن كان سنده صحيحاً هو الحديث الذي يُحكَم له بالقبول بلا خلاف بين أهل الحديث ، لتوفُّر عامل النقل الصحيح ، واندفاع القوادح الظاهرة والخفيَّة ، وسلامته من معارض أقوى منه .
وخلاصة القول في هذا الضابط: هو أنّ الناظر في الحديث إذا لم يُحَصِّل هذه المعارف ، كان نظره قاصراً ، ووقوعه في الخطأ محققاً .
وهذا ما جعل بعض المغرضين الذين حُرموا المعرفة بهذه المقاييس في التصحيح والتضعيف ، يستشهدون على أفكار سقيمة بروايات ضعيفة ، أو موضوعة ، وفي مصادر ليست معتبرة عند علماء الحديث ، ليضربوا بها نصوصاً صحيحة ـ أو على الأقل ـ أرجح منها .
ولذلك فإنّ بداية التعامل مع النصوص الحديثية المرويّة تكون بالاستيثاق من ثبوتها ، وإعمال المعايير النقدية لأهل الحديث فيها ، ومعرفة ما قيل في الحكم عليها .
مثال يوضح تطبيق هذا الضابط على الفقه الموروث :
عند تطبيق هذا الضابط على الفقه الموروث نجد في هذا الفقه ـ على ما به من روعة ودقّة وإبداع ـ أحكاماً اجتهادية نحن في حلٍّ من الإعراض عنها ، لأن مداركها أو مآخذها ضعيفة عند النظر والموازنة ، حيث إنها بُنيَت على أحاديث لم تتوفر فيها شروط القبول ، أو على الأقل مرجوحة .
مثال ذلك : حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط"[24]. فهـذا الحديث لا يوجد بهذا اللفظ في أيّ كتاب من الكتب الستة ولا ما في مستواها ، كموطأ مالك ، أو مسند أحمد ، أو مسند الدارمي ، ولم يُخرجه إلاّ الطبراني في الأوسط ، وابن حزم في المحلّى ، والخطابي في المعالم ، والحاكم فـي كتاب علـوم الحديث في باب الأحاديث المتعارضة ولم يُعرف إمام من أئمة الحديث صحّحه أو حسّنه ، بل استغربه النووي وغيره ـ كما في تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ـ وقال ابن القطان: "وعلّته ضعف أبي حنيفة في الحديث"[25] .
وقد ترتب على هذا الحديث عند من أخذ به ، قبْل عصرنا ، تضييق على الناس ، حيث جـرى عرف كثير من البلاد باشتراط أمور فيما بينهم إذا باعوا أو اشتروا ، ولم يَسَعْ العلماء إبطالها فيشق ذلك على الناس ويحرجهم.
كذلك في عصرنا ، فالأخذ بهذا الحديث يسبب تضييقاً وحرجاً على الناس حيث جرى عرف الناس على بيع وشراء كثير من الآلات والأجهزة بشرط ضمان مؤسساتها لها لمدة محدّدة ، سنة أو عدّة سنوات ، تصلحها إذا فسدت أو تُبدِّلها إذا تعطّلَت ، إلى غير ذلك من الشروط التي لا تستقر ثقة الناس وطمأنينتهم إلا بتوافرها في الحياة التجارية .
وهذا هو الذي جعل متأخري الحنفية يضطرون للقول بتخصيص هذا الحديث بالعرف[26]. وكان من الأجدر بهم أن ينظروا في سند هذا الحديث نفسه قبل الاستدلال به على الحكم ! هل هـو صحيح ؟ وهل سلم من معارض أقوى منه ؟
ولذلك أنكر العلامة ابن قيم الجوزية الأخذ بهذا الحديث الذي لا يُعلم له إسناد يصح ، مع مخالفته للسنّة الصحيحة والقياس ، ولانعقاد الإجماع على خلافه ، فقال : " أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابراً باع بعيره واشترط ركوبه إلى المدينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" ، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع ، وقال : "من باع ثمرة قد أُبِّرَت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فهذا بيع وشرط ثابت بالسنّة الصحيحة الصريحة .
وأما مخالفته للإجماع فالأمّة مُجْمعة على جواز اشتراط الرّهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ، ونقد غير نقد البلد ، فهذا بيع وشرط متّفق عليـه"[27].
وهذا يعني أنّه ليس كل الأحكام الاجتهادية يجوز العمل بها بإطلاق ، ولا كل الفتاوى الصادرة عن المجتهدين يجوز التقليد فيها بإطلاق ، بل ـ كما قال الإمام القرافي ـ في كل مذهب مسائل ، إذا حُقِّق النّظر فيها ، امتنع تقليد ذلك الإمام فيهـا[28].
وبهذا يتأكد لنا أنّ التثبت من صحة الأحاديث التي تُبنى عليها الأحكام أمر واجب على كل متفقه ، وأنّه لا بدّ لرجل الفقه من أن يرجع إلى المنابع الأصلية من دواوين السنّة وشروحها وعلومها ، ليعـرف صحيح الأحاديث من معلولها ومقبولها من مردودها ، وعامّها من خاصّها ، ومطلقها من مقيّدها ، ويتمرّس بمعرفة تلك العلوم التي لا يقوم اجتهاد سليم إلا بمعرفتها والتعمّق فيهـا .



[1] وإنْ يكن مـن تحقق في صحة نسبة النص القرآني إلى مصدره ، فإنه لا يتجاوز التحقق مـن صحة بعض القراءات ـ غير المتواترة ـ الواردة لبعض ألفاظ النص القرآني .
[2] أي أن الحديث هو الذي يدلنا على الهدي النبوي ويرشدنا إليه، انظر : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي: شرح النخبة (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر) تحقيق د. نور الدين عتر ، دمشق دار الخير ، مطبعة الصباح ط2،1414هـ ، ص 37 . والسيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، تحقيق الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف ، دار الكتب الحديثة ، القاهرة ، ط2 ، 1966م ،1/42 )) .
[3] أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق من صحيحه رقم 3004 ترقيم عبد الباقي . وأحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رقم 10701 ترقيم إحياء التراث ، واللفظ لأحمد .
[4] فيما عدا الإذن الخاص لأشخاص مُعَيَّنين يتقنون الكتابة ، أو في مسائل محدَّدة ذات أنصبة وفروض وأرقام يصعُب ضبطها من غير كتاب، وللطُرَّاء الذين يرجعون لأقوامهم ويريدون شيئاً مكتوباً إما لإتقانه وتذكره وإما زيادة في التوثيق والتصديق . ((انظر: د. همام عبد الرحيم سعيد : الفكر المنهجي عند المحدثين ،طبعة رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر ، الطبعة الأولى ، المحرم 1408هـ ، ص41 وما بعدها . وابن قتيبة: تأويل مخْتَلِف الحديث ، طبعة مصر ، ص286 وما بعدها . والخطَّـابي : معالم السُّنن ، المكتبة العلمية بيروت ، ط. 1 ، 1981م ، 4/184)) .
[5] والمتواتر: هو الذي سمّاه الإمام الشافعي علم العامَّة ، وهو الخبر الذي يفيد العلم الضروري ، أي الذي يفيد العلم بلا استدلال ، ويحصل حتى لمن ليس عنده أهلية النظر كالعامّي ، وهو على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد . أي أنّ المتواتر هـو الذي بلغ رواته عدداً كثيراً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب ، فهو ذائع منتشر معلوم بداهة ، لا يتوقف على خبر إنسان بعينه ، في حين أن خبر الآحـاد ـ وسمّاه الإمام الشافعي خبر الخاصة ـ تناقله الأفراد أو الآحاد ، ولم تنقله عامة الناس ، وتبقى خصوصيته من جهة اقتصار معرفته على فئة محصورة . ((انظر : الشافعي ، محمد بن إدريس : الرسالة ، تحقيق أحمد محمد شاكر ،دار الكتب العلمية ،بيروت ،ص357 ، وص370 . وابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي : شرح النخبة (نزهة النظر) ، ص 41)) .
[6] انظر : ابن الصلاح ، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن : علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح) ، مؤسسة الكتب الثقافية ببيروت ، ط4 ، 1996م ، ص23 وما بعدها (مطبوع مع شرحه التقييد والإيضاح للعراقي) . وابن حجر العسقلاني : شرح النخبة (نزهة النظر) ، ص 54 وما بعدها . والسيوطي : تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، 1/63 ومابعدها ، و 1/ 179 .
[7] انظر في هذا المعنى : ابن حجر العسقلاني : شرح النخبة ، ص54ـ55 .
[8] ولم يُذكر هنا الحديث المتواتر وهو من المقبول ، لأن الكلام في خبر الآحاد ، فهـو الذي يخضع لهذه الشروط أمّا الخبر المتواتر فلا يخضع لذلك ، ولا يدخل تحت مجهر البحث والنقاش ، فهو مقبول بدون بحث بإجماع العلماء. (انظر : ابن حجر العسقلاني : شرح النخبة ، ص40ـ42) .
[9] د. نور الدين عتر : منهج النقد في علوم الحديث (دمشق ، دار الفكر ، 1988م) ، ص243 .
[10] انظر : القاسمي ، الشيخ محمد جمال الدين : قواعد التحديث ، تحقيق محمد البيطار ، دار النفائس ،بيروت ،ط2 1414هـ ، ص105 . وابن الصلاح : علوم الحديث ، ص48 . وقارن بتدريب الراوي للسيوطي: 1/176ـ177 .
[11] أي يُشترَط في هذه الأمارة من أمارات القدح عدم إمكان التوفيق والجمع بين الحديث المدروس وبين ما عارضه إذا لم يكن راويه ضعيفاً ،وهذا شرط للحكم على الحديث أنه معلول أو مكذوب ، وهو أن تكون مخالفته للأدلة القطعية مخالفة صريحة جازمة ، لا يُحتمل أن يُراد بالنص تأويل لمعنى آخر ، كأن يكون فيه كناية ، أو نوع تشبيه بلاغي ، أو عام أُريد به الخاص ، وما أشبه ذلك . قال الإمام السبكي: "كل خبر أوهم باطلاً ولم يَقبل التأويل فمكذوب ، أو نقص منه ما يزيل الوهم" . ( ابن السبكي ، تاج الدين: جمع الجوامع ، طبعة مصر ، 2/71 . وانظر : السيوطي ، تدريب الراوي 1/276ـ277 ) .
[12] ابن قيم الجوزية ، أبي عبد الله محمد بن أبي بكر : المنار المنيف في الصحيح والضعيف ، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب،الطبعة السادسة ببيروت،سنة 1994م) ، ص80 .
[13] سورة الأعراف : من آية 187 .
[14] عبد الفتاح أبو غدة : لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث (الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب ط:4 ، سنة 1417 في بيروت) ، ص 168 .
[15] أخرجه البخاري في كتاب العلم من صحيحه ، رقم (109) ترقيم فتح الباري .
[16] أي لا يقبل حمله على معنى يرتضيه العقل ، أي لا يُحتمل أن يُراد بنص الحديث تأويل لمعنى آخر يرتضيه العقل السليم ، كأن يكون فيه كناية ، أو نوع تشبيه بلاغي ، أو عام أُربد به الخاص ، وما أشبه ذلك .
[17] انظر : السيوطي ، تدريب الراوي 1/276 . وابن حجر ، شرح النخبة ، ص 87 . والخطيب البغدادي ،الكفاية (طبعة دائرة المعارف العثمانية ، الهند ، حيدر آباد 1357هـ) ، ص 17.
[18] السيوطي : تدريب الراوي ، 1/278 .
[19] أحمد محمد شاكر : الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ، عماد الدين إسماعيل (مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، ط3 ، 1408هـ) ، ص 64 .
[20] ابن القيم : المنار المنيف ، ص 64 .
[21] المرجع السابق ، ص78 .
[22] انظر : ابن كثير ، عماد الدين إسماعيل : البداية والنهاية (طبعة السعادة ، 1351) ، 12/ 101 ـ 102. وياقوت الحموي : معجم الأدباء (دار المأمون ، 1355) ، 4/18 . وابن السبكي ، تاج الدين: طبقات الشافعية الكبرى (طبعة عيسى البابي الحلبي المحققة ، 1382) ، 4/35 . والسخاوي ، الإعلان بالتوبيخ ، طبعة القدسي ، ص10 .
[23] ذكر ابن قيم الجوزية كذب هذا الحديث من عشرة أوجه . (انظر : ابن القيم ، المنار المنيف ص102 وما بعدها ، وأحكام أهل الذمة له أيضًا : مطبعة جامعة دمشق ، 1/6ـ7 ) .
[24] الطبراني ، سليمان بن أحمد ، المعجم الأوسط ، دار الحرمين ، القاهرة ، 1415هـ ، 4/335.
[25] ابن حجر ، أحمد بن علي : تلخيص الحبير (المدينة المنورة ، سنة 1384هـ ـ1964م) ، ج3 ص12 حديث رقم 1150 . والزيلعي ، أبو محمد عبد الله بن يوسف: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ، تحقيق: محمد يوسف البنوري ، دار الحديث ، مصر، 1357هـ ،ج4 ، ص17.
[26] حاشية ابن عابدين محمد أمين ، (الطبعة الثانية سنة 1386هـ ، دار الفكر ، بيروت) ، 5/280 .
[27] ابن قيّم الجوزيّة ، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر : إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد ، دار الجيل ، بيروت ، 2/ 346 ، 347 .
[28] القرافي ، أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي : الاحكام ، في جواب السؤال التاسع والعشرين ، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدّة ، طبعة حلب ، ص129