المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم التكفير وخطره


Eng_Badr
12-07-2010, 04:19 AM
بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فلا يجوز التعجل بتكفير الناس والمجتمع إلا بعد اليقين الجازم من وجود أسباب الكفر وموجباته ، لكن الإيمان والكفر محلهما القلب ، ولم يأمرنا الله سبحانه بالبحث عن نوايا الناس وضمائرهم ، وإنما بتفويض أمرهم إليه تعالى .

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق في كتاب "بيان للناس" :
التكفير هو الحكم على الإنسان بالكفر ، وهذا الحكم خطير لخطورة آثاره ، ولذلك نهى الإسلام عن التعجل به وعن تقريره إلا بعد التأكد من وجود أسبابه تأكدًا ليس فيه أدنى شبهة ، ولأن يُخطئَ الإنسان في العفو خير من أن يُخطئَ في العقوبة ، والكافر إذا أفلت من عقوبة الدنيا فلن يُفلت من عقوبة الآخرة .

ذلك أن الإيمان والكفر محلهما القلب ، ولا يطَّلع على ما في القلوب غير الله سبحانه ، وليست كل القرائن الظاهرة تدل يقينًا على ما في القلب ، فأكثر دلالتها ظنية ، والإسلام نهى عن اتباع الظن في أكثر من نص في القرآن والسنة ، وطَلَبَ الحجةَ والبرهان على الدعوى وبخاصة في العقائد ، وتطبيقًا لذلك نَعَى على أسامة بن زيد قَتْلَه لرجل ألقَى إليه السلام .

وأمَر بالتبين فقال سبحانه : (يا أيها الذين آمَنوا إذا ضرَبتم في سبيلِ اللهِ فتَبَيَّنوا ولا تقولوا لِمن أَلقَى إليكم السلامَ لستَ مؤمِنًا تَبتَغُون عَرَضَ الحياةِ الدنيا فعندَ اللهِ مَغانمُ كثيرةٌ كذلك كنتم مِن قبلُ فَمَنَّ اللهُ عليكم فتَبَيَّنوا إن اللهَ كان بما تعملون خبيرًا) (النساء: 94) فقد كرر الأمر بالتبيُّن لأهميته . ولم يقبل الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ اعتذار أسامة وقال له: "هَلاّ شَقَقتَ عن قلبه" ، هذا : وموقف النبي من ذلك موضَّح في "شرح النووي على صحيح مسلم" (ج 2 ص 106) بخصوص القصاص والدية والكفارة .

وقال تعالى في حادثة أخرى : (يا أيها الذين آمَنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فَتَبَيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجَهَالةٍ فتُصبِحوا على ما فعَلتم نادمين) (الحجرات: 6) ونزلت ، كما رواه أحمد وغيره بسند جيد ، في الوليد بن عقبة الذي أرسله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقبض الزكاة من الحارث بن ضِرَار ، الذي استَبطَأ وصولَ عامل الرسول ليقبضها فسار هو وجماعة بها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقابلهم الوليد ولم يتبين أمرهم ، فرجع وأخبر الرسول بأن الحارث منعه الزكاة وأراد قتله ، فأمر الرسول بتوجيه جيش إليه ، ولما علموا حقيقة الأمر عاد الجميع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبروه ، فنزلت الآية .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا كفَّر الرجلُ أخاه فقد باء بها أحدُهما" وفي رواية : "أيُّما امرئ قال لأخيه : يا كافر . باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه" وفي رواية : "من دعا رجلاً بالكفر أو قال : عدوَّ الله . وليس كذلك إلا حار عليه" أي رجع (رواها مسلم) ويقول أيضًا : "ثلاثٌ من أصل الإيمان ؛ الكَفُّ عمن قال : لا إله إلا الله . لا نُكفِّرُه بذنب ولا نُخرِجُه من الإسلام بجهل.." (رواه أبو داود، وحكاه أحمد في رواية ابنه عبد الله . قال الشوكاني : سكت عنه أبو داود والمنذري ، وفي إسناده مجهول ، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور ، وفيه ضعف وله شواهد. ج 7 ص 255 "نيل الأوطار") .

إن الكافر الحقيقيَّ انعقد قلبه على الكفر واقتَنَع به ولا شبهةَ له ، فقد قال الله فيه : (ولكنْ مَن شرَح بالكفرِ صَدرًا) (النحل: 106) أي اقتَنَع به واستراح له .

إن الحدود تُدرَأُ بالشبهات، ومنها عقوبات لا تصل إلى درجة القتل، فكيف نتعجل بالحكم على رجل بالكفر دون أن نتأكد منه؟

نُسب إلى الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : من صدَر عنه ما يَحتمل الكفرَ من تسعة وتسعين وجهًا ويَحتمل الإيمانَ من وجه حُمل على الإيمان (فقه السنة جـ 2 ص 453) ورُوي عنه أنه قال : إنما كَفَّ رسولُ الله عن المنافقين ليبيِّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه .

وعمر ـ رضي الله عنه ـ قال : إن ناسًا كانوا يُؤخَذون بالوحي في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهَرَ لنا خيرًا أَمِنَّاه وقَرَّبناه ، وليس لنا في سَريرته شيء ، الله يحاسبه في سَريرته ، ومن أَظهَرَ لنا سُوءًا لم نَأمَنْهُ ولم نُصَدِّقْه وإن قال إن سَريرته حسنة (رواه البخاري) .

وعن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليٌّ وهو باليمن إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذُهَبية ، فقسمها بين أربعة ، فقال رجل : يا رسول الله اتق الله . فقال : "ويلك ، أو لستُ أحقَّ أهل الأرض أن يَتقيَ اللهَ!" ثم ولَّى الرجل ، فقال خالد بن الوليد : ألاَ أضرب عنقه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "لا ، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد : وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه يا رسول الله ! فقال له صلى الله عليه وسلم : "إني لم أُومَرُ أن أَنقِّبَ عن قلوب الناس ولا أَشُقَّ بطونَهم" مختصر من حديث متفق عليه (نيل الأوطار جـ 1 ص 367)

لقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأخذ بظواهر المسلمين وحسن الظن بهم : "من شَهِد أن لا إله إلا الله ، واستقبَل قبلتَنا ، وصلَّى صلاتَنا ، وأكَل ذبيحتَنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" (رواه البخاري) .

ونهى عن قتال مَن لهم مسجد أو يؤذَّن فيهم ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غزا قومًا لم يَغْزُ حتى يُصبِحَ ، فإذا سَمِعَ أذانًا أَمسَكَ ، وإذا لم يَسمَعْ أذانًا أغار بعد ما يُصبِحُ (رواه البخاري) وفي رواية : وسمع رجلاً يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال : "على الفطرة" ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال : "خرَجتَ من النارِ" (رواه مسلم) وعن عصام المُزَني قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا بعث السرية يقول : إذا رأيتم أو سمعتم مناديًا فلا تقتلوا أحدًا" (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) .

يقول الشوكاني : فيه دليل على جواز الحكم بالدليل ، لكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كَفَّ عن القتال بمجرد سماع الأذان ، وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء ، لأنه كَفَّ عنهم في تلك الحال مع احتمال ألاّ يكون على الحقيقة (نيل الأوطار جـ 7 ص 258) .

فهل غابت هذه النصوص عمن يسارعون إلى الحكم بالكفر على الناس بالرغم من وجود الظواهر التي تجعل الإنسان على الأقل يتحرج عن إساءة الظن بهم ويرمي مجتمعهم كله بالكفر ، وفيه المساجد مفتوحة والأذان مرفوع بأعلى الأصوات ؟ هدانا الله جميعًا سواء السبيل .
والله أعلم .