المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسلاموفوبيا نقطة ومن أول السطر


Eng_Badr
20-07-2010, 02:47 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

๑ﺴ◄ إسلاموفوبيا: نقطة.. ومن أول السطر ►ﺴ๑

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

"رأيتُ الخوف، الخوف الفظيع، ينبع ويتعاظم ويستشري.. رأيته يتغلغل في العقول، حتى عقول أفراد أسرتي، حتى في عقلي، رأيته يطيح بالمنطق، يسحقه، يُهينه ثم يلتهمه".

(رواية "رحلة بالداسار" - أمين معلوف)

الخُرافة
لم أجد أقوى من تلك العبارة الفذّة لأبدأ بها حديثي عن الإسلاموفوبيا -الخوف المَرَضي من الإسلام- الذي يمثّل نتيجة طبيعية لمقولة معبّرة أخرى تقول: "إذا ضعف العقل استسلم للخرافة!". والخرافة ليست فقط وصفًا نطلقه على قصص الغول والعنقاء وأعمال الشعوذة، فالمعنى الأصلي لكلمة "خرافة" يرجع لرجل من العرب -قبل الإسلام- كان يحمل هذا الاسم، وكان حديثه كله عن أمور مستحيلة التصديق عقلاً، فأصبح اسمه مرادفًا للامعقول، وصار الناس يقولون عن كل منافٍ للعقل السليم "هذا من حديث خرافة". إذن فـ"الخرافة" تعبير يمتد ليشمل كل مرفوض عقلاً ومنطقًا في أي مجال كان!

والإسلاموفوبيا تعبير وُلِدَ في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، ونما في ثمانينياته وتسعينياته، ثم انتقل من بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من خانة "التعبير" إلى خانة "الوباء المستشري"! فقد تحوّل الإسلام والمسلمون إلى متّهمين مُدانين حتى يثبت العكس؛ لأن بعض العباقرة -في الغرب تحديدًا- قرروا أن يريحوا عقولهم من عناء التفكير، ويضعوا في سلة واحدة كل المسلمين بتياراتهم المختلفة: السلفية المتشددة والوسطية المعتدلة، والعلمانية المتساهلة، السنية والشيعية، المتعصّبة والمتسامحة، المنفتحة والمنغلقة، حصيلة أكثر من 1400 عام مضت منذ ظهور الإسلام بكل ما تمخّضت عنه من تيارات واتجاهات، كلها تم وضعها في وعاء واحد مكتوب عليه "احترس موادّ ضارة"! واعتُبِرَت التحدي الجديد لـ"العالم الحُر" دون محاولة فهم وتحليل الفوارق بينها! ولأن ذلك الدمج العبثي غير منطقي ولا علمي ولا معقول، فهو يندرج تحت بند "الخرافة" سالف الذكر، والاستسلام للخرافة هو أهم أعراض الفوبيا، مما يعني -ببساطة حسبة 1+1= 2- أن الإسلاموفوبيا مرض ينبغي علاجه، وليس اتجاهًا ينبغي قبوله واحترام وجوده، وأي تفاعل مع أصحاب الاتجاه الإسلاموفوبيك ينبغي أن يكون من منطلق "علاج مرض" لا "تحاور مع اتجاه فكري عادي".

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

لقطات
ولأن المريض -أي مريض- ينبغي أن يتضمّن ملفه الأعراض المشيرة لإصابته بهذا المرض أو ذاك، فمريضنا ليس استثناءً.. فلنلقِ نظرة على بعض محتويات ملف المريض بالإسلاموفوبيا..

I- دراما:
رجل الأمن الأمريكي المحنّك "جاك باور" ينطلق مسرعًا بالسيارة في إحدى المطاردات التي لا تنتهي في مسلسل الحركة "24"؛ حيث ليس أمامه سوى 24 ساعة للقبض على إرهابي ما اسمه غالبًا "سعيد" أو "عبدول" أو "مروان"، أو أي اسم عربي مسلم آخر، وإحباط مخططه التخريبي لتفجير قنبلة ما في مدينة ما، أو اغتيال شخصية أمريكية عامة! لا تهم الأسباب النفسية أو العملية لقيام هذا الرجل بالتآمر على أمن أمريكا، فهويته الدينية تكفي بالتأكيد ليكون إرهابيًا عتيدًا، الأمر الكفيل بإصابة علماء الإجرام بارتفاع ضغط الدم!
ملحوظة: أحد أبطال المسلسل قال مؤخرًا إن كثيرًا من المدارس الأمريكية أهملت تدريس مادة الجغرافيا، وإن أغلب الأمريكيين لا يعرفون مكان إيران، ويحسبونه بلدًا كبيرًا يعيش فيه كل العرب!

II- أقوال:
"إن الدين الإسلامي دعا إلى العنف.. وإن أمريكا بحاجة إلى إنذار ضد خطر المسلمين الذين يكرهون أمريكا!".
(القس بات روبرتسون، أوسع قساوسة اليمين الديني نفوذًا في الإعلام الأمريكي)

"يتصوّر كثير من الأمريكيين أن المسلمين هم شعوب غير متحضّرة، ودمويون وغير منطقيين!".
(الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون - من كتابه "الفرصة السانحة")

"إن الدين الإسلامي هو دين مُنحَطّ وشرير"!
(فرانك جراهام - المستشار الديني لجورج دبليو بوش)

شعرت بقشعريرة وأنا أُفكّر في عدد هؤلاء الذين يقولون "آمين" في تناغم واحد
شعرت بقشعريرة وأنا أُفكّر في عدد هؤلاء الذين يقولون "آمين" في تناغم واحد

III- Youtube:
فيديو موجود بالفعل على الموقع، مثّله شابان أمريكيان، أحدهما يظهر في بدايته حاملاً كرته يلعب بها بمرح، وهو يقول بشكل طفولي: "أنا فتى أمريكي"، فيفاجئه الآخر وهو يرتدي لثاماً أسود، ويُمسك بسكين يمثّل أنه يذبحه به وهو يصيح "الله أكبر"!.

IV- آمين!:
"عندما تركتني في المنزل وخرجت لصلاة الجمعة، أخذت أتابع الصلاة في التليفزيون، وعندما قال المصلون في آن واحد "آمين" شعرت بقشعريرة وأنا أُفكّر.. كم عدد هؤلاء الذين يقولون "آمين" في تناغم واحد في هذا المسجد؟ وكم مسجد مثله في المدينة، بل في مصر كلها، وفي كل العالم، ماذا لو قرر هؤلاء الذين يقولون معًا "آمين" برغم كل خلافاتهم الجانبية أن يقوموا بعمل واحد معًا ضدنا؟! بالتأكيد شعرت بالخوف!".

أجبتها: "ولكنكِ قد علمتِ أننا لا ننوي لأحد شرًا، وأن ديننا يحرّم العدوان".

قالت: "أنا واحدة فقط أعلم هذا، ماذا عن باقي بني بلدي؟".

(من حوار لي مع صديقة ألمانية متخصصة في علم ثقافات الشعوب أثناء زيارتها لمصر)

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

هذه اللقطات -وهي مجرد عيّنات بسيطة- تُظهِر مدى عمق الإصابة بمرض الإسلاموفوبيا، ومدى اتساع دائرته، فلو كان وجوده مقصورًا على الطبقة الجاهلة المهمّشة لكان الأمر بسيطًا، ولكن أن يكون منتشرًا لهذا الحد بين المثقفين ورجال الدين والإعلام وصناّع القرار والأكاديميين، فهذه كارثة! أن يُغفَل كل ما أضافه المسلمون للموروث الحضاري الإنساني خلال الحضارة الإسلامية العملاقة الممتدة تاريخيًا منذ الفتوح الأولى للشام والعراق ومصر، وحتى انهيار دولة المسلمين في الأندلس، وألا يُنظَر من أعمال المسلمين إلا للإرهابيين والمتطرفين أمثال ابن لادن والظواهري، الذين لفظتهم مجتمعاتهم الإسلامية ذاتها، ويُصبِح هؤلاء المنحرفون عن روح الإسلام نماذج متبناة من الغرب للمسلمين بدلاً من أمثال ابن رشد وابن الهيثم والخوارزمي والفارابي، فهذه كارثة تعود بالإنسانية مئات السنين للخلف!

العلاج الخاطئ
الغرب إذن قرر أن يضع الإسلام والمسلمين في قفص الاتهام! والمؤلم أن تَفاعُل المسلمين مع هذا الظلم جاء مائعًا، فبدلاً من نفي التهمة بإباء وكرامة باعتبارها إهانة تستحق وقفة حازمة من موجّهها، نفاجأ بحالة هيستيريا أصابت كثيراً من المثقفين وصناّع القرار في المجتمعات الإسلامية، فيتهافتون على الذهاب للمدعين علينا (!!) ويكادون يبكون وهم يؤكدون أننا لسنا أهل دين يدعو للإرهاب والقتل والتخريب، وتحمل لغة نفيهم التهمة من استجداء الرضا الغربي عنا أكثر مما تحمل من رفض الإساءة بندية المفروض أن تصدر منا كأناس تقرّ لهم القوانين الإنسانية بحقهم في أن يكون دينهم مصونًا من أية اتهامات مشينة! وأنا أجدني أتفق مع المفكر الكبير دكتور جلال أمين في إصراره على أن من يريد معرفتنا حقًا أن يأتي هو إلينا، لا أن نكون نحن دائمًا الواقفين على عتباته! فالقوانين كلها تقول إن البيّنة دائمًا على من ادَّعى! وأن على من يتهم أحدًا بشيء أن يذهب هو إليه ويواجهه بتهمته، لا أن يُطلق الاتهام ويطلب من المُدَّعَى عليه أن يقف على بابه وبيده أدلة براءته!

علاج خاطئ ومنافٍ لتاريخ أسلافنا العظام -الذين نتمسّح فيهم دومًا- في رد هذه الاتهامات لنا ولديننا؛ فالإسلام كان دومًا متهمًا من الغرب بالهمجية والوحشية والبربرية، منذ أطلق البابا أوربان الثاني النداء الأول لخروج الحملات الصليبية تحت شعار "الله يريدها"، وهو ينشر في كل أنحاء أوروبا الكاثوليكية أخبارًا عن مذابح المسلمين أتباع "ماهوند" (اسم سخرية من محمد صلى الله عليه وسلم) بحق المسيحيين، وعن استخدام المسلمين الكنائس كاصطبلات لخيولهم، وانتهاكهم قبر المسيح، وقطعهم طرق الحجاج إلى بيت المقدس. بل وانتشرت رواية غريبة تقول إن النبي محمد كان بطريركًا كاثوليكيًا يطمع في انتخابه كبابا للمسيحيين، ولكنهم اختاروا غيره فهاجر إلى الجزيرة واختلق لنفسه دينًا جديدًا!! المسألة قديمة إذن، ولكننا لم نسمع قط على مر التاريخ عن أن المسلمين تهافتوا على أعتاب ملوك أوروبا متضرعين لهم أن لا يسيئوا الظن بهم!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

من أول السطر
أعتقد أن من كلامي يبدو منهجي في تلك السلسلة، فأنا لن أحاول الحديث من منطلق دفع التهمة عن المسلمين، بقدر ما سأستعرض الظاهرة وأحاول تفسيرها وتصوّر تباعتها.. من منطلق اقتناعي الشديد أن في محتوى ثقافتنا الإسلامية ما يكفي لمن يريد حقًا معرفتنا، ولهذا علينا حق العون والتوجيه وتفسير الغامض من الأمور، فإن أساء فهمنا بعد ذلك عن تعصّب أعمى أو إهمال في البحث، فلتكن هذه مشكلته هو، لا مشكلتنا نحن!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

๑ﺴ◄ إسلاموفوبيا: الإسلام.. العدو الجديد للبشرية! ►ﺴ๑


"كأنما خرج الإسلام فجأة من غياهب المجهول ليعلن عن وجوده! وكأنما لم يكن الإسلام دينًا وثقافة ونظامًا للقيم والأخلاق عاش على مدى أكثر من ألف وأربعمائة سنة بحساب البشر!!".

(د. قاسم عبده قاسم - من مقدمة ترجمته لكتاب "الخطر الإسلامي خرافة أم حقيقة" لجون ل. إسبوزيتو).

من ليس معنا.. فهو ضدنا
هكذا أعلن جورج دبليو بوش في إعلانه الحرب على الإرهاب، بعد تعرّض أمريكا لهجمات 11 من سبتمبر 2001.. والحقيقة أن تلك العبارة المستفزّة لم تضِف جديدًا للسياسة الأمريكية، فمنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية كان هذا لسان حال العم سام مع دول العالم، فأمريكا التي ذاقت خمر القوة بعد خروجها منتصرة من الحرب سنة 1945، قد اعتبرت نفسها النمط المثالي للحضارة الإنسانية، فبدأت -بعد سقوط النازية- تبحث عن عدو جديد تمارس معه دور "الوكيل الوحيد الحصري للإنسانية" وتحاربه، فلم تجد كفئًا لها سوى الكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق، وانجرّ العالم لحرب جديدة -باردة هذه المرة- وخرج الكاوبوي الأمريكي من حدوده أكثر من مرة لخوض غمارها في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا، بدعوى الدفاع عن "الحرية والمُثُل العليا الإنسانية". بل وشهدت الولايات حربًا داخلية في بداية خمسينيات القرن الماضي، قادها السيناتور جوزيف مكارثي ضد عدد ضخم من السياسيين والمثقفين مدمّرًا حياتهم المهنية والعامة بدعوى "وجود اشتباه في تعاطفهم مع الشيوعية أو تعاونهم مع القوى المؤيدة لها"!.

وبعد سقوط العملاق السوفيتي وكتلته العاتية، بدأت أمريكا على حد قول المفكر اللبناني أمين معلوف في كتابه "اختلال العالم": "تخوض غمار مشروع هائل يُنهكها ويدفع بها إلى التيه: أن تروّض بمفردها -أو تقريبًا بمفردها- كوكبًا يستحيل ترويضه!". والأمريكيون -لمن يلاحظ- لديهم ولع بأمرين: أن يكون لديهم بطل قومي (سوبرمان)، وأن يكون لهم عدو رقم واحد. وفي بداية التسعينيات، لم يكن أجدر من "الإسلام" بلعب دور هذا العدو المنشود.. وهذه النقطة تجعلنا نطرح على أنفسنا سؤالاً هاماً.. لماذا أمريكا؟

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

لماذا أمريكا؟
لماذا أعطيتُ مثالاً بأمريكا فقط؟ ماذا عن أوروبا أو آسيا؟ الإجابة البسيطة المباشرة هي أن ثمة واقعاً لا جدال فيه أن أمريكا تضع سياسات وتوجهات العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وكل ما لدى سائر الدول القوية الأخرى هي "مساحة محدودة من حرية القرار" في النطاق الموضوع لها مسبقًا من الولايات المتحدة، زعيمة النظام العالمي. بدا ذلك بشدة منذ الدور الأمريكي في توجيه "الأمر" لبريطانيا وفرنسا بإنهاء عداونهما على مصر في 1956، وتدخلها في فيتنام، ومحاربتها الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية، ورعايتها اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وتواجدها الكثيف في الخليج بحجة "حمايته" من عدوان العراق خلال حكم صدام حسين... إلخ، واقتصر الدور الأوروبي على تقديم "الدعم" أو الاعتراض الهزيل غير المجدي على "بعض" التحركات الأمريكية.. كل ذلك يُؤكّد حقيقة تسمية بعض المفكرين لعصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أيامنا هذه بـ"العصر الأمريكي".. إذن فلو بحثنا عن محرك آلات مصنع الـ"إسلاموفوبيا" الحالية فسنجد عليه عبارة "صُنِع في أمريكا".. ووصفي تلك الإسلاموفوبيا بـ"الحالية" سببه قِدَم ميلاد ذلك المرض الوبائي. فتعالوا ننظر...

قَصّ الأثر
أحيانًا ينبغي على الباحث في التاريخ أن يلعب دور قصاص الأثر، فيتتبع الآثار الحديثة حتى يعرف مصدرها القديم..
ولن نجد "حالة" نتتبعها أفضل ممَن يمكن تسميته بـ"باعث الحركة الإسلاموفوبية" وأعني به "جورج دبليو بوش"؛ حيث تحوّل ذلك الداء في عهده من حالات فردية على شيء من الانتشار إلى "تيار حاد وعنيف وقوي الحضور"، وتزامن مع إعلانه الصريح عن أن حربه "حرب صليبية جديدة" يقودها بـ"توجيهات مباشرة له من الرب الذي -على حد قوله- يتحدّث إليه!". لو نظرنا في التاريخ لوجدنا حالة "بوش" تتمثل في شخصيتين؛ الأولى: هي الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول -أول إمبراطور مسيحي- والثانية: في البابا أوربان الثاني -محرّك أولى الحملات الصليبية. فالأول حاول استقطاب الجماهير المسيحية من خلال اعتناقه الدين المسيحي، وبدأ يلعب دور "رجل المسيح الأول"، ويدّعي تلقيه "توجيهات إلهية" لكل صغيرة وكبيرة من خطواته، وبدأ يتدخّل في شئون الكنيسة بما جعل سلطته في النهاية تتسع من إمبراطور دنيوي إلى راعٍ للدنيا والدين.

أما البابا أوربان الثاني، فقد أطلق نداء "الجهاد" الصليبي بدعوى حماية المسيحية والمسيحيين من "انتهاكات" المسلمين، فوضع قناعًا دينيًا على وجه الأطماع الاستعمارية الدنيوية، من رغبته في السيطرة الكاثوليكية على كنائس الشرق الأرثوذكسية، وسعيه لنقل أرض الصراع الدامي بين الأمراء المشاغبين إلى مكان بعيد عن أوروبا، ومحاولته توطيد سطوته على العامة من خلال ظهوره أمامهم مظهر من يحرّك ملوك أوروبا بإشارة من يده لأجل حماية المثل العليا الإنسانية.

أما الخيط الذي يربط تلك الشخصيات الثلاث -قسطنطين وأوربان وبوش- فهو كالآتي: فقسطنطين هو أول إمبراطور روماني مسيحي، وأول من ربط السلطتين الدينية بالدنيوية في أوروبا المسيحية، أما البابا أوربان الثاني فقد كان يؤمن -كأسلافه منذ سقوط الدولة الرومانية- بأن البابوية هي الوريث الشرعي للسلطة الإمبراطورية في حماية المسيحية الحقة، وأما بوش الابن فهو من ناحية يعتبر نفسه بمثابة "نبي جديد للمسيحية"، ومن ناحية أخرى هو جزء من المنظومة الحاكمة الأمريكية التي اعتبرت نفسها -منذ تأسيس الدولة ذاتها- وريثًا للرومان، حتى أن الاسم الأول المقترح للعاصمة كان "روما الجديدة"، ولا يخفى على الملاحظ ما في التشابه بين نظامي الحكم الروماني والأمريكي، سواء من حيث الحياة النيابية أو السياسة الخارجية حتى أن ذلك التشابه موضوع لعشرات الدراسات الهامة. إذن فبوش جمع بين محاولة قسطنطين للعب دور "البطل المسيحي"، واعتبار أوربان الثاني أن الإسلام هو "الخطر على المسيحية"، فأصبح يسعى لأن يكون "البطل المسيحي المناضل ضد الخطر الإسلامي على الحضارة المسيحية".

ولكن دعونا نتفق هنا على أن بوش الابن عبارة عن "حالة" تمثل تيارًا عامًا تختلف مكوناته النفسية والاجتماعية والفكرية، ولكنه الحالة الأبرز مؤخرًا، لكنها ليست الحالة "الأولى"، ولا "المنفردة".

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

نتيجة مؤسفة
النتيجة المؤلمة لارتداء تيار معاداة الإسلام رداء المسيحية تمثّلت في تحوّل الأمر للصورة المشوّهة الآتية: الحضارة "المسيحية - اليهودية" ضد "الإسلام"، وبدلاً من أن يتم التعامل مع الإسلام باعتباره جزءًا من الخط المستقيم "اليهودية - المسيحية - الإسلام"؛ حيث يعبد أهل الديانات الثلاث نفس الإله، تم تصنيفه باعتباره "عقيدة وثنية دموية فوضوية" يختلف إلهها عن إله المسيحيين واليهود. وتحوّل الأمر بالتالي من حرب بين أنصار فريقين متعارضين -بغض النظر عن عقائدهم- إلى حرب بين دينين.. الأمر الذي ينافي المنطق والأخلاق، خاصة مع وجود نسبة ضخمة من غير المسلمين في المكوّنات الرئيسية للمجتمعات الإسلامية، ونسبة ضخمة مماثلة من المسلمين في المجتمع الأمريكي والمجتمعات الحليفة له في تلك الحرب، مما يعني أن الأمر في حقيقته لا يخرج عن كونه حربًا للإنسانية ضد نفسها!

المقعد الشاغر
أعتقد جديًا أن بداية ما أسماه دكتور جلال أمين "عصر التشهير بالعرب والمسلمين" -في كتابه الذي يحمل نفس الاسم- ليست مرتبطة بأحداث 11 من سبتمبر 2001 إلا من حيث التوقيت، لكنه -ذلك العصر- كان قادمًا في كل الأحوال. فقد كان مقعد "عدو الإنسانية" شاغرًا منذ سقوط الشيوعية، وكان لا بد من ملء فراغه بعدوّ مناسب، وكانت نفس الإجراءات العدوانية تنتظر المنتسبين أو المشكوك في انتسابهم لذلك العدو، من إجراءات تعسفية تمييزية، وملاحقة، وتشويه للصورة، واتهامات جزافية، أي أن الفترة المكارثية (نسبة لجوزيف مكارثي سالف الذكر) تكررت بحذافيرها، ولكنها اتسعت لتشمل دولاً ومؤسسات كاملة لا مجرد أفراد!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

"اكتشاف" العدو
وبالفعل كما قال دكتور قاسم عبده قاسم في العبارة التي بدأتُ بها المقال "كأنما خرج الإسلام فجأة من غياهب المجهول"! فبعد قرون من وجوده في الحياة "اكتشف" العالم فجأة أن الإسلام دين دموي شرير، والأكثر اعتدالاً من الإسلاموفوبيين قسَّم المسلمين إلى "مسلمين طيبين" و"مسلمين متعصبين إرهابيين"، صحيح أن التقسيم في حد ذاته موجود لا بين أتباع الإسلام وحدهم ولكن بين أتباع كل عقيدة ومبدأ، ولكن المشكلة تكمن في "أساس" التقسيم، فـ"الطيبون" هم من يوالون أمريكا، سواء كانوا نظمًا حاكمة أم أفراداً، أما "الأشرار" فهم كل معارض للهيمنة الأمريكية على العالم، سواء اتخذوا لذلك طرقًا مشروعة، أم أساليب إرهابية يرفضها الإسلام نفسه!.

صحيح أن التاريخ شهد هجوم الكثيرين على الإسلام، ولكن أيامنا هذه تشهد "تكثيفًا" لهذا الهجوم بشكل يعطيه صورة الوباء. لقد قرّر البعض أن يمارسوا "العبقرية بأثر رجعي" فيكتشفوا بعد قرون من نزول الإسلام، وقيام علاقات سلمية وحربية بينه وبين مختلف الحضارات والبلدان، أن هذا الدين "شرير" وأتباعه "أعداء للإنسانية". ولا عقلانية هذا "الاكتشاف" تُؤكّد ما ذكرته في الجزء الماضي من أن الإسلاموفوبيا لا تخرج عن كونها "حالة مَرَضية" مخيفة!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

๑ﺴ◄ خطر اسمه .. الدولة الإسلامية ..►ﺴ๑

"حفنة من المنافقين.. يملئون الدنيا صراخًا؛ لأن الباب انغلق على أصبع أمريكي، ثم يتركون شعبًا كاملاً كشعب البوسنة يُباد دون أن يُحرّكوا أنملة!".

(د. أحمد خالد توفيق - رواية "الحريق" - سلسلة سافاري)

مثلما يوجد ذلك الإسلاموفوبيك مريض الفكر بحق، يوجد ذلك الذي يُدرك حقيقة أن الإسلام ليس اختصار الأخطار المحتشدة على الإنسانية، ولكنه مع ذلك يُغذّي الإسلاموفوبيا ويسعى لبقائها ونموّها وتعاظم انتشارها وترسّخها في الأذهان.. نعم، فأحيانًا يكون بقاء المرض ضروريًا لتتحقق مصالح البعض.

هل أبالغ لو قلت: إن سياسة العالم -الغربي بالتحديد- بها تيار قوي شبه سائد يرغب في بقاء الإسلاموفوبيا على الساحة؟ لماذا أقول "الغربي بالتحديد"؟ لأن الإسلام لم يكن -غالبًا- مشكلة ذات بال للدول غير الغربية، ولو وقعت بعض المشكلات بين جماعات بشرية مسلمة وبين النظم غير الإسلامية في الشرق أو إفريقيا -كما في الصين أو الهند مثلاً- فغالبًا ما لا يكون للإسلام دخل بالأمر بقدر ما يتعلّق الأمر بـ"العرق" ورغبة الدولة في السيطرة التامة على مساحتها السياسية. وفي المقابل، لم تكن التهديدات الشرقية للعالم الإسلامي -في التاريخ- كالتهديد المغولي، بنفس خطورة التهديدات الغربية، كالغزو الصليبي والحملات الاستعمارية؛ فالغزاة المغول سرعان ما اندمجوا في النسيج الإسلامي وصاروا من حُماته ودعاته، بينما جاء الغرب من البداية بأجندة تستهدف الإسلام بشكل صريح ومباشر وواضح جدًا.

ولأن الدول كالبشر، فلها ذاكرة تتوارث المبادئ والأفكار، وتختار منها كل حين ما يلائمها ويناسب مخططاتها، والتاريخ يحتاج النظر فيه أحيانًا لنظرة الجيولوجي الذي يمسك بقطعة التربة أو كتلة الحجر ويشقّها، وينظر لتراكماتها ومكوّناتها التي تداخلت عبر التاريخ حتى تكون ذلك الشيء الذي يمسك به بقبضة يده.. كذلك سياسة "الترويج للإسلاموفوبيا" تشكّلت عبر تراكمات جيو - تاريخية، لو سمحتم لي بالتعبير. تعالوا ننظر ونتأمّل..

ذلك الشيء
من البداية، أدرك العالم أن بالمسلمين "شيئًا ما" يعطيهم قدرًا عاليًا من الترابط والتضامن وتناسق الأداء ووحدة الموقف، بغض النظر عما قد يكون بينهم من خلافات واختلافات وفواصل مادية جغرافية أو معنوية مذهبية وثقافية. ذلك "الشيء" هو ما جعل سيف الدولة الحمداني -الشيعي- يُدافع عن الخلافة السُنيّة في وجه التهديدات البيزنطية، وجعل نور الدين محمود زنكي -السُني التركي- يُرسل من الموصل وحلب جيشًا بقيادة أسد الدين شريكوه -الكردي- لنجدة الفاطميين الشيعة في مصر من هجوم الصليبيين، وهو نفس الشيء الذي دفع جيشًا من البربر بقيادة يوسف بن تاشفين -السلفي المتقشف- يعبر من المغرب للأندلس لنجدة ملوك الطوائف المترفين ضعيفي التديّن، ولم ينسَ هذا القائد أن يرتدي في حربه السواد، اللون الرسمي للخلافة العباسية دون أن يتلقى أمرًا بذلك من الخليفة أو أن يكون لهذا الأخير سلطان فِعْلي عليه، فقط هو أحسّ أن من واجب إعلان انتمائه للصف الموحد خلف خليفة واحد، حتى لو لم تكن لهذا الأخير سوى سلطة اسمية.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

نفس ذلك الشيء لعب دورًا في أزمان تالية في صد الغزوات الاستعمارية الغربية؛ حيث أخذت كثير من حركات المقاومة للغزو الصفة الدينية؛ كحركات مجابهة الحملات البرتغالية والإسبانية على المغرب العربي في العصور الوسطى المتأخّرة، أو التصدي للحملة الفرنسية على مصر والشام، أو في العصر الحديث الذي ساهمت فيه تنظيمات إسلامية في مقاومة الاحتلال، كدور جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر خلال الاستعمار البريطاني لها، أو منظمة "حماس" في فلسطين، وميليشيات "حزب الله" في لبنان، فضلاً عن الحركات الفردية، كمساعي جمال الدين الأفغاني لنشر اليقظة بين المسلمين في الشرق.

ويمكننا أن نضيف لذلك الحركات التجديدية الساعية لخلق صحوة إسلامية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع المضامين الفكرية لبعض تلك الحركات أو أساليب عملها، ونذكر منها الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، والمهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا.

ذلك "الشيء" يمكننا أن نسمّيه "الالتزام بوحدة الصف" أو "الشعور بالواجب نحو الأمة" أو "الحمية الدينية"، أيًا كان المُسمّى، فقد أدرك المراقبون جميعًا أهميته كحائط صد لأية أطماع في السيطرة على بلاد المسلمين، مما يعني -بطبيعة الحال- أن على الخصم الذكي الطامح لتلك السيطرة أن يبدأ بهدم ذلك الحائط الصلب أولاً.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

الرسالة
العنصر الثاني الهام في تكوين سياسة السعي لنشر الإسلاموفوبيا هو "رسالة الإسلام". فالقارئ المدقق لتاريخ الفتوحات الإسلامية يلاحظ بشدة الدور الإيجابي القوي لأهل البلدان المفتوحة في فتح الباب للمسلمين، ومساعدتهم على إقامة دولتهم. والسؤال هو: لماذا؟

الإجابة هي: أن تلك الشعوب تلقّت "رسالة" المسلمين قبل أن تصل جيوشهم، فبينما هم يعانون وطأة الاحتلال من الروم في الشام ومصر، والفرس في العراق، والقوط في الأندلس، كانت تصلهم أنباء عن فاتحين جُدد يحاربون الظلم والاستعباد ويطردونهما في كل بلد يفتحونه، فتلقوهم باللهفة والتعاون والتحالف، وسرعان ما اندمجوا معهم وتزاوجوا منهم وأصبحوا -أهل تلك البلدان- من المكوّنات الإنسانية الهامة لحضارة المسلمين، سواء اجتماعيًا أو ثقافيًا. سهولة شديدة في الاندماج لم تحدث منذ أيام الإسكندر الأكبر، ساعد عليها تشدد التعاليم الإسلامية في رفض الظلم وسوء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وكذلك نظرة المسلمين للعالم من زاويتين، واحدة دنيوية تراعي المتطلبات المادية للحياة، والأخرى دينية روحانية تعتني بشدة بالجانب المعنوي المثالي، فيتحقق التوازن بين المتطلبات المادية والمثاليات المعنوية، فلا تغرق في الروحانية والانعزال عن الواقع، ولا تندفع للمادية وسحق المعنويات.

تضارب المصالح
العنصران سالفا الذكر طالما تعارضا بشدة مع المساعي الاستعمارية للغرب للسيطرة على الشرق -والعالم عمومًا- فليس من مصلحة المستعمر أن تقف في وجهه حركة مقاومة شعبية، فما بالك لو فوجئ بتدفق المتضامنين من المسلمين من شتى أرجاء الأرض. كان هذا يعني ضرورة ضرب عنصر الوحدة بين المسلمين من خلال أسلحة عديدة أهمها تشويه "المقاومة المشروعة للمحتل" التي يقرّها القانون الدولي وخلطها بالإرهاب المُجرم دوليًا، والسعي لدس ذلك التشويه لا للمواطن الغربي فحسب، بل للمواطن المسلم؛ بحيث يُصبح أكثر ترددًا في مقاومة أي عدوان مستقبلي على بلاده؛ خوفًا من وصمه بالإرهاب.

أما عنصر "الرسالة" فهو الأخطر على المستعمر، فصحيح أن فكرة "الفتوحات" لا مجال لها في عالم اليوم، إلا أن "الفتح" لا يكون بالضرورة عسكريًا؛ فالأفكار تتناقل من عقل لآخر خاصة مع ثورة وسائط تناقل الأفكار والمعلومات والمبادئ، والإسلام بالذات أثبت تاريخيًا قدرة عالية على الانتشار بغير وجود مؤسسات تبشيرية راعية له، فضلاً عن أن التأثّر ببعض أو كل المحتويات الفكرية الإسلامية لا يتطلب بالضرورة اعتناقه كدين. هذه مسألة تقلق من لديهم أطماع للسيطرة أو الاستعمار (وأنا أعني بالاستعمار ذلك المادي الحربي المباشر وأيضًا المعنوي غير المباشر كالغزو الثقافي مثلاً) فأولاً قد يجد بين بني مجتمعه من يتعاطفون مع القضايا التحررية الإسلامية، مما قد يساهم في تكوين قوى ضغط مدنية مؤثّرة عليه وعلى مشروعاته، فضلاً عن تقوية فرص ظهور "لوبي إسلامي" على الساحة أسوة بذلك اليهودي. وثانيًا فإن المكوّنات الفكرية المعنوية للإسلام تتعارض تمامًا مع الاتجاهات البراجماتية المادية الجافة للمؤسسات السياسية والتجارية الكبرى، مما يعني ضرورة خلق "حاجز معنوي" ضد كل ما هو إسلامي لضمان عدم تأثر "الجماهير الغفيرة" التي يسعى الساسة لترويضها من خلال الإعلام. إذن فالمطلوب تحويل الإسلام إلى "بعبع"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى السعي لتحويل وضع الإسلام في البلدان الإسلامية إلى وضع من اثنين: دين بلا دولة، أو دولة بلا دين. فإما أن يكون دينًا مشتتًا لا تجمعه روابط سياسية، أو أن تكون بلدانه بلدانًا مغرقة في العلمانية المطلقة، والدين بالنسبة لها مجرد مكوّن ثقافي قديم مندثر، يُمارس البعض طقوسه على سبيل "الفولكلور".

الإسلام أثبت قدرة عالية على الانتشار بغير وجود مؤسسات تبشيرية راعية له
الإسلام أثبت قدرة عالية على الانتشار بغير وجود مؤسسات تبشيرية راعية له

الحقيقة المؤلمة
ربما يبدو للبعض أني أبالغ في تصوير قدرة المؤسسات الاستعمارية -سياسية واقتصادية- على نشر الإسلاموفوبيا بين أهل الغرب، ربما لإيمان القارئ أن المواطن الغربي مواطن حر لا أحد يحكم عقله. والحقيقة أن فكرة "مواطن حر" لا تزال بعيدة نوعًا عن التحقق، ففي هذا العالم من لا تحكمه حكومة بوليسية بالعصا تحكمه حكومة ذكية بالصحافة والتليفزيون والسينما. صحيح أن العالم الغربي به تيار قوي يدعو للتعرّف السليم على الآخر -والآخر هنا هو الإسلام- إلا أن ذلك التيار يقف وحيدًا في مواجهة المستفيدين من انتشار الإسلاموفوبيا: مؤسسات الطاقة وتجارة السلاح والحكومات الاستعمارية والمؤسسات الإعلامية الحليفة.. أي أنها معركة -حتى الآن- غير متكافئة، بين أصحاب الضمير والمبادئ، وأصحاب الدولار واليورو!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

๑ﺴ◄ أن يكون الدفاع عن الإسلام إهانة له! ►ﺴ๑


"حتى في أحسن الظروف، عندما تكون العلاقات بيننا وبين الغرب علاقة وئام وصداقة، ما الذي يجعلني أبذل جهدًا إضافيًا لتحسين صورة الإسلام في الغرب، بعد كل ما كُتِبَ ونُشِرَ عن الإسلام في الغرب والشرق طوال القرون الماضية؟ ولماذا لا يأتي إليَّ من يريد مزيدًا من العلم والفهم للإسلام بدلاً من أن أذهب أنا إليه؟".
د.جلال أمين - كتاب "عصر التشهير بالعرب والمسلمين"

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

المهرولون:
س: كم عمر الإسلام؟
ج: أكثر من 1400 سنة!

س: وكم كانت مساحة احتكاكه بالغرب؟
ج: شديدة الاتساع؛ فالتجارة العربية الأوروبية كانت تذرع البحر المتوسط ذهابًا وإيابًا محملة بالمنقولات وبعناصر الحضارة، والممتلكات العربية في أوروبا كانت ملاصقة لحدود فرنسا وإيطاليا ومطلة على بحر الشمال المؤدي لبريطانيا وألمانيا، وجامعات الأندلس كانت تفتح أبوابها للعرب وغيرهم. فضلاً عن الاحتكاك العسكري والسياسي طوال 800 سنة هي عمر الدولة العربية الكبرى.

س: كم من المفكّرين الغربيين أتيحت له الفرصة للتعرّف على الإسلام والحديث عنه لبني وطنه بشكل منصف محايد؟
ج: كثيرون؛ وعلى رأسهم: المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه، والراهبة البريطانية الكاثوليكية كارين أرمسترونج، والمستشرق الفرنسي جوستاف لوبون، وأمير الشعراء الألمان جوته، والدبلوماسي الألماني د. مراد هوفمان، والبروفيسور الأمريكي هيو كينيدي، وغيرهم...

س: لماذا إذن يهرول البعض نحو الغرب في محاولات هلعة مثيرة للشفقة لتقديم الإسلام لهم، كأن الإسلام "ابن امبارح" وليس دينًا قديمًا له تاريخه الطويل في الاحتكاك بالآخر ومصادر التعرف به متوفرة جدًا لدى الآخر؟!
ج: :.....................

عندما يتعامل الطرف الجاهل بنا مع ديننا باعتباره دينًا "شريرًا منحطًا" -على حد تعبير أحد رجال اليمين المتطرّف الأمريكي- فإن من الحماقة أن نسايره في جهله بأن "نصدّق" الكذبة ونقدّم له ديننا باعتباره دينًا جديدًا يحتاج لتعريف جديد. فليس من العدالة في شيء أن نتعرّض للسباب المدفوع بجرأة الجهل ثم نهرول لمن سبّنا لنؤكّد له أننا لسنا كما يظن بنا! أقصى ما للجاهل عندنا هو أن نوجهه للمصادر المتوفرة لتعديل مسار تفكيره، لكن تلك "الهرولة" تسيء لديننا أكثر مما تدفع الإساءة عنه.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

صحيح أن الحوار مع الآخر مطلوب، ولكن في حدود الندّية، أما ما يجري حاليًا فهو دونية بحتة، ولأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده فإن الإفراط في الذهاب للآخر لمخاطبته هو نوع من التأكيد الضمني أننا نعترف بأن لدينا "تهمة ما" نريد إخفاءها.

إن الإسلام منذ نزول رسالته تعامل مع العالم بندّية مطلقة، وتضمّنت نصوصه وتطبيقاته -عبر التاريخ- أسباب الدفاع عنه، فعندما اتُّهِمَ الدين الجديد بأنه دين "يقطع الأرحام ويفرّق بين الناس" كان التطبيق للنص المأمور به بصلة الرحم والترابط الإنساني ردًّا مفحمًا، وعندما صوّر مهندسو الحملات الصليبية المسلم بأنه سفاح بربري لا يحترم المقدسات المسيحية كان الرد في التناقض المذهل بين تسامح صلاح الدين مع أسرى الصليبيين وجيوشهم المستسلمة ودموية ريتشارد قلب الأسد وقتله آلاف الأسرى في يوم واحد! بعض الأمور إذن أقوى من الحوار المنطوق والمكتوب، فالتصرّفات تعلنها بشكل تلقائي.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

الإشارات:
والغرب لا يعدم من يلتقطون تلك الإشارات البسيطة لرقي الإسلام، ولدي مثال بسيط: في الفيلم الأمريكي "مملكة الجنة" Kingdom of Heaven مشهد أخير لصلاح الدين وهو يتفقّد القدس بعد استردادها، ثم يدخل كنيسة متضررة من الحصار والقصف فيجد صليبًا ساقطًا فينحني ويعيده لمكانه. ما لا يعرفه الكثيرون هو أن المشهد لم يكن مكتوبًا بهذا الشكل، ولكن الفنان السوري "غسان مسعود" بينما كان يؤدي دور صلاح الدين ويقوم بتمثيل المشهد، وجد الصليب ساقطًا فانحنى بتلقائية وأعاده لمكانه باحترام، فقام المخرج "ريدلي سكوت" بترك المشهد كما هو، في إشارة واضحة لأنه قد وجده معبّرًا ببساطة شديدة عن روح الإسلام.

ربما يبدو ذلك المثال تافهًا، ولكنه بالعكس يعبر عن حقيقة أن المبادئ الإنسانية الراقية لا تحتاج لكثير من الشرح والتقديم وعرائض الدفاع، وتلك حكمة من الله عز وجل. ولعلنا لا ننسى قصصًا لأناس -في فجر الإسلام- قد أسلموا لمواقف بسيطة، كيهودي يسلم لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عاده في مرضه حين منعه ذلك المرض من إلقاء القاذورات -كعادته- في طريق النبي! أو كأسير من الأعداء بهره كرم جندي مسلم قدم له كسرة خبزه ليأكلها وصبر هو على الجوع. عبقرية ذلك الدين أن رسالته للآخر لا تتوقّف على كتابات ومؤتمرات ومنتديات حوار بقدر ما هي تستند إلى "المعاملة".

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

المفترون:
هذا العنوان الجانبي هو اسم كتاب للمفكّر الكبير فهمي هويدي يصف به بعض أبناء المجتمعات الإسلامية الذين يهاجمون من الإسلام جانب الشريعة -وليس العقيدة- باعتبارها حجر عثرة في طريق "التنوير" و"اللحاق بركاب الحضارة الذي سبقنا به الغرب". فهم يرون أن من الضروري أن "نتحرر" من "تلك القواعد البالية التي ترجع لأكثر من 1000 سنة"، ويعتبرون أن انتشار مظاهر التدين علامة "غير صحية".

وخير تحليل لموقف هؤلاء هو ما قاله الأستاذ فهمي هويدي من أنهم قد صُدموا من انتشار الإرهاب المنتسب للإسلام والمدفوع بالفهم الخاطئ للتدين، فرأوا أن خير وسيلة للقضاء عليه هي القضاء على التدين ذاته!

أما ما أضيفه من رأيي -وهو الرأي الشائع بين كثير من المراقبين لأحوال المجتمع خلال العقود الثلاث الماضية- فهو أن نوعًا من التدين "المستورد" قد تسلسل لمصر مع العائدين من الخليج العربي، تدينًا جافًا لا يجيد التعامل مع الآخر ولا ترتيب أولويات البحث والتحقيق، وتغلب حميته الدينية تحكمه العقلي وحسن إدراكه للأمور، هذا التدين المغلوط كان أحد مصادر تعذية الإرهاب والتطرف، وكذلك كان يغذي -بنشاط- الخوف المرضي من الإسلام من قِبَل من لا يفهمون الإسلام الحق، أو أولئك الذين لا يريدون فهمه لأغراض في نفوسهم!

هؤلاء القوم -المفترون- ممن استوردوا الإسلاموفوبيا ودعموها باعتبار أن شهادتهم ضد بعض المكونات الهامة للإسلام هي شهادة "شاهد من أهلها"، فهم مسلمون مؤمنون بالعقيدة الإسلامية ومعظمهم يمارسون العبادات الإسلامية بالتزام، ولكن مشكلتهم تتلخّص في تطبيق التشريعات الإسلامية، وفي التدين. المشكلة أنهم بموقفهم هذا يضيفون قوة لحجج المروجين للإسلاموفوبيا في العالم -الغرب تحديدًا- فضلاً عن أنهم لا يُقدّمون تفسيرًا للواقع التالي "الإسلام كان النظام السائد -بشكل نسبي أحيانًا- في العالم القديم طوال حوالي 800 عامًا، فكيف توافق هذا مع إنشاء المسلمين أعظم وأرقى حضارة عرفها التاريخ؟" هذا فضلاً عن مخالفتهم حقيقة أن الشعوب الشرقية -مسلمة وغير مسلمة- يشغل الدين لديها حيّزًا هامًا لا يمكن إغفاله أو تهميشه، احترامًا لطبائع وثقافات الشعوب.

ولكي لا أخرج عن الموضوع، أكتفي بأن أقول بأن هؤلاء "المفترون" على الإسلام يلعبون دورًا سلبيًا في حملة نشر الإسلاموفوبيا؛ حيث يُستَخدَم فكرهم كدليل على قول القائلين بخطورة الإسلام لذاته، وكذلك يدعمون دعوة البعض لـ"إصلاح الإسلام".

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

إسلام بعد التعديل:
"إن إسلامًا تجرى عليه عملية الإصلاح، لا يعود بعد ذلك إسلامًا."
(اللورد كرومر)

من أخطر دعاوى الإسلاموفوبيك -سواء عن اقتناع أو عن افتعال سعيًا لمصلحة- هي دعوى "إصلاح الإسلام". أي إخضاع المحتوى الإسلامي من شريعة وتاريخ وقرآن وسنة وآراء فقهية، لعملية "فلترة"! فيتم "حذف" آيات الجهاد من القرآن، وكذلك الأحاديث الداعية إليه، و"ينقى" التاريخ من أخبار الحروب بين المسلمين والأوروبيين وأنباء الفتوحات العربية في مختلف بقاع الأرض، وسير المجاهدين وحركات المقاومة الإسلامية، وتُلغَى الآراء الفقهية الآمرة بمقاومة العدو عند اعتدائه على بلاد الإسلام.

الخلاصة أنها عملية "مسخ" للإسلام، تشبه دعم الاحتلال البريطاني في الهند -في بدايات القرن الماضي- للعقيدة "القاديانية" الداعية لعدم مقاومة الاحتلال بحجة أن ذلك "اعتراض على تسليط الله الحاكم على المحكوم". وهي عملية تتشح برداء "الدعوة للتسامح وتنقية الدين من المحتويات العدوانية"! فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نرى في المقابل من يدعو اليمين الديني الغربي المتطرّف للتخلّي عن أفكاره المعادية للإسلام أو للتيارات العلمانية؟ لماذا لا نسمع عن دعوة لـ"فتلرة" التلمود مما فيه من العجب العجاب تجاه "الأغيار" (غير اليهود)؟ إن أمريكا وأوروبا بهما عشرات الجماعات والعصابات والتيارات المتطرفة في كافة الاتجاهات والطرق، أليس الأوْلى بهم أن يتعاملوا معها أولاً قبل أن يحاولوا التعامل مع دين عمره 1400 عام لم يكتشفوا سوى الآن أنه يحتوي على "مواد ضارة"؟!
إسلاموفوبيا...
هذا هو اسم الداء.. فما هو الدواء؟

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

๑ﺴ◄ مشكلة المسلمين أنهم ليس لهم "كبير" ►ﺴ๑

عندما تجد نفسك هدفًا لصفعات خصومك، لك الحق أن توجّه غضبك عليهم، وأن تراهم معتدين وتسعى لردعهم ولوقف إيذائهم.

ولكن أليست البداية الأكثر واقعية هي أن تغضب على نفسك؛ لأنك أنت من توفّرت عندك أسباب تشجيعهم على فعل ذلك بك؟!
وأن تبحث عن الحل عندك لا عندهم؟
وبداية الحل.. أن نضع أيدينا على مواطن العلل:

الجذع الأجوف
لو أنك تريد تحطيم جذع شجرة شديد الصلابة والسُمك، فما هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك؟ مهما كانت قوة بلطتك ومنشارك فلا شيء أقوى من أن تمتلك ما يمكنه التوصّل لقلب هذا الجذع وإفراغه من محتواه أو العبث بما بداخله؛ بحيث يتحوّل جذع الشجرة القوي إلى مجرد قشرة خارجية خادعة تنتظر أول هبة رياح متوسّطة القوة لتحويلها لشظايا متطايرة مثيرة للشفقة.

هذا بالضبط ما يحاول الإسلاموفوبيك -ومن يستغلون الإسلاموفوبيا- فعله بالمجتمعات المسلمة، سواء كانت مجتمعات مسلمة بالأصل أو مجرد جاليات مغتربة أو أقليات من المواطنين بدول غير مسلمة. فهم -الإسلاموفوبيك- يسعون لتقويض المحتوى الداخلي لتلك المجتمعات؛ بحيث تصبح صالحة للتشكيل وفق رؤيتهم أو قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.

فالتيارات الغربية الاستعمارية -الساعية لفرض "عولمتها" ورؤيتها الخاصة للعالم أحادي النمط والثقافة- تدرك أن المحتوى الحضاري الإسلامي شديد القوة بحُكم تنوّع عناصره وعمق مكوّناته. ولأن المستعمر يتعلّم من تاريخ أسلافه، فقد تعلّم تجّار الإسلاموفوبيا من التجربة الصليبية في الشرق، عندما جاءت الحملات الأوروبية بجيوشها وجحافلها وأجندتها لتغيير الشرق وتحويله لقطعة أرض كاثوليكية أوروبية وأقامت إماراتها في الشام، لتفاجأ بعد سنوات -ليست بالكثيرة في عمر الزمن- بأن المستعمرين المُفتَرَض بهم القيام بالتغيير هم من تغيّروا وتأثّروا بالثقافة العربية الإسلامية، حتى أن الأديب والسياسي "أسامة بن منقذ" -الذي عاصر الوجود الصليبي في الشرق- قد تحدّث عن أن بعض الصليبيين يفخر بأنه لا يشرب الخمر ولا يأكل الميتة ولا الدم ولا لحم الخنزير! وكذلك جرى للمغول الذين انتصروا على المسلمين في الشرق فقط ليدخلوا بعد ذلك في الإسلام، ويذوبوا في كيانه، ويعملوا على نشره في الهند وأفغانستان وروسيا رغم أن القضاء على ذلك الإسلام كان في أولوليات مخططاتهم.

ثمة حقيقة تاريخية واقعية إذن تقول إن الإسلام -ككيان ديني وثقافي- يمكنه إذا توافرت له أسباب القوة أن يمتص حتى المعتدي المنتصر عسكريًا على المجتمع الإسلامي! إذن فالمطلوب من الراغب في استعمار المجتمعات الإسلامية ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا أن يوجّه أقوى ضرباته للمحتوى الإنساني للإسلام حتى لا ينقلب السحر على الساحر.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

المشكلة المثيرة للضيق أن معظم المتعاونين مع ذلك المخطط الموجّه ضد الإسلام هم بالفعل من أبناء المجتمعات الإسلامية، سواء من المندفعين للسباحة في تيار التغريب المفرط المتجاهل لحقيقة أن ليس كل شيء يصلح لكل مجتمع، أو من المتطرفين الذين يلعبون دور فتيل الفتنة الوطنية والطائفية التي يستغلها الإسلاموفوبيك كدليل اتهام للإسلام بأنه دين مدمر للأمن الاجتماعي، أو من المتعاملين مع المحتويات الحضارية والدينية للإسلام باعتبارها "أموراً تدعم الرجعية وتعود بنا للخلف 1400 عام"، والمؤلم أن أغلب هؤلاء يؤمنون بأفكارهم تلك لحد التطرّف والاندفاع مما ينذر يومًا ما بكارثة صدام داخلي عنيف كفيل بتدمير كل شيء، نشهد حاليًا نُذُره.

ألا يكون لنا "كبير"
المثل الشعبي يقول: "من ليس له كبير يشتري له كبيرًا". ومشكلة المسلمين في العالم أن ليس لهم كبار تتفق عليهم الأمة يتحدّثون باسم المسلمين ويردّون عنهم ويُمثّلونهم في المحافل الدولية. لدينا علماء كبار ومفكرون عظماء، ولكن ليست لدينا تنظيمات فاعلة تدير شئوننا الدينية وتفصل بين نزاعات مذاهبنا وتياراتنا وتتوحد خلفها صفوفنا، فالأزهر -منارة الإسلام سابقًا- مؤمَم مُسَيّس والثقة الشعبية به مهتزة بشدة، والمؤسسة الدينية السعودية التي تحاول الظهور بمظهر حصن الإسلام الأخير محجمة لصالح مصالح النظام السعودي الحاكم، ومنظمة المؤتمر الإسلامي لا تملك أدوات الضغط السياسي لصون حق الإسلام والمسلمين في مواجهة الاعتداءات والافتراءات، وهيئات علماء المسلمين -مع احترامي- مجرد جهات استشارية تقدّم التوصيات، ولكن قراراتها لا تملك القوة الملزمة باحترامها..

صحيح أن الإسلام ليس به "مجلس كهنوت" أو "رجال دين"، ولكني أتحدّث هنا عن "التنظيم والتنسيق والتوحيد للمواقف الإسلامية"، أتحدّث عن جهة محترمة تتولّى هي البحث والفتوى والفصل بين النزاعات الإسلامية -المادية والمعنوية- والتعامل مع الإساءات الخارجية للإسلام ورموزه، وتكون مسئولة عن إعطاء هذا العالم أو ذاك حق الإفتاء أو منعه منه، تمامًا كما تفعل أية نقابة درجة عاشرة تحترم نفسها في أية دولة منسية بالعالم الثالث! هل هذا كثير؟ أليس هذا مما يرحمنا من فوضى الفتاوى و"المتاجرين" بالدين هنا وهناك؟

إن أناسًا يشوّهون الإسلام والمسلمين -مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري- لم يكونوا ليحققوا أجندة المستفيدين من ذلك لو كان للمسلمين هيئة فتوى جماعية تضم علماء كافة المذاهب، وتُخرِج الفتوى الفاصلة في مسألة الجهاد. وفتاوى مستفزة كفتوى إهدار دم "ميكي ماوس" ما كانت لتجد لها صداها المُبالَغ في أمره لو كانت للمشتغلين بالفتوى رابطة علمية منظمة تملك أدوات معاقبة من يتصدى للفتوى بغير علم أو يخالف قواعدها ونظمها، سواء كان العقاب معنويًا أو مرتبطًا بالتشريعات الجنائية للدول الإسلامية، أسوة لما يحدث مع أصحاب المهن الطبية والهندسية والتجارية وغيرها.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

المشكلة أن المؤسسات الدينية فَقَدَت استقلاليتها، فأصبح العلماء مقيّدين، بعكس ما كانت عليه قديمًا عندما كان فقهاء المسلمين أكثر فاعلية وإيجابية فيما يخص قضايا الأمة، ودعونا لا ننسى دور هؤلاء الفقهاء في التصدّي للتحديات الخطرة للأمة؛ فأبو حامد الغزالي لعب دورًا كبيرًا في الرد على فرقة "الحشاشين" المارقة عن الإسلام، والفقيه "الهروي" أطلق نداء الجهاد من بغداد ضد الصليبيين بعد اقتحامهم القدس، والعز بن عبد السلام شارك في إشعال جذوة المقاومة ضد الخطر المغولي وعضد جهود المماليك لأجل ذلك، وتقي الدين بن تيمية كان في مقدّمة جيوش مصر المملوكية المدافعة عن الشام ضد عدوان أمراء المغول الذين كانوا قد أسلموا ولكنهم لم يفقدوا طبيعتهم الهمجية المدمّرة.

ولا ننسى دور علماء الأزهر في مقاومة الحملة الفرنسية، ثم بعد ذلك في خلع الولاة الأتراك الطغاة وتنصيب محمد علي باشا -مؤسس مصر الحديثة- على رأس الدولة، وحتى دورهم الإيجابي خلال ثورة 1919 وحفاظهم على وحدة الصف المصري ودفاعهم مع إخوانهم المسيحيين عن الوحدة الوطنية.

أين ذهب كل هذا؟ إن غياب هذه الهيئات العملاقة يترك حبل المسلمين على الغارب، ويجعل كتلتهم البشرية ممزقة صالحة للاستخدام من قِبَل أعداء الإسلام ضده، فبدلاً من أن تكون قوة بشرية فاعلة تضيف الجديد للحضارة الإنسانية، وتجعل العالم يشعر بقيمتها ويجد نفسه مجبرًا على معاملتها كندٍّ له، على العكس يسهل مهمة الإسلاموفوبيك ويجعل لافتراءاتهم مصداقية كبيرة.

هناك حالة انفصال تام بين الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية والمؤسسات الدينية فيما ينبغي أن يكون فيه ارتباط -كوحدة الموقف السياسي- وفي المقابل توجد حالة تبعية مفرطة من كبريات تلك المؤسسات فيما ينبغي أن يكون فيه انفصال واستقلالية، كحرية المؤسسة الدينية في اختيار قياداتها وتنظيم شئونها! وهذا مما يزيد الطين بلة ويجعل عمل تلك المؤسسات معطلاً وطاقاتها مهدرة.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

الخيبة
يثير غيظي تهليلنا الطويل؛ لأن فلانًا أو علانًا من رموز السياسة والثقافة في الغرب مدح الإسلام. صحيح أن شهادة الحق تستحق التحية، ولكن ماذا بعد؟ لماذا لا يُحسن استغلال تلك التيارات الإيجابية لخلق لوبي إسلامي قوي في الخارج أُسوة بذلك اليهودي والآخر اليميني المسيحي؟ ما قيمة وجود تجمعات بشرية إسلامية ضخمة في الغرب لو لم يلعب أفرادها -بالذات المتجنسين بجنسيات مهجرهم-دورًا إيجابيًا موحدًا في خدمة المصالح المشروعة للمسلمين في أن يُحتَرَموا كأصحاب دين معترف به، وأن يكون لهم مكان مقبول على ساحة العمل الحضاري بمختلف مجالاته؟

إننا عندما نكون أهل دين أثبت رقيّه على مدى 1400 سنة، وحضارة أخذت موقعها المتميز على مدى 800 سنة، وأصحاب كتلة عددية تزيد على المليار وتنتشر في مختلف بقاع الأرض، ومعنا تيار غربي محايد يحترم ديننا ويُقدّره، ثم بعد ذلك نجلس ونندب حالنا ونشكو العالم الظالم الذي يفتري علينا ولا يفهمنا، ونهرول هنا وهناك في مذلة لنستجدي الآخرين أن يحسنوا الظن بنا... فهذا هو الوصف الدقيق الكامل لتعبير "الخيبة الثقيلة"!
الخلاصة

الإسلاموفوبيا محض افتراء، ومجرد مرض نفسي وفكري، ولكن دعونا نعترف بحقيقية مؤلمة هي أننا إن بقينا على حالنا هذا عبئًا على الجنس البشري، ولم نأخذ من الإسلام سوى الفخر به دون أن نُفكّر ولو مرة واحدة في أن نجعله هو من يفخر بنا.

إن الرجل الغربي البسيط حين ينظر إلى الرجل المسلم البسيط فيجده شخصية سلبية، يأكل ويشرب وينام ويعيش بلا هدف ولا طموح، ويقاد كما يقاد الغنم في القطيع ثم يتفاخر بإسلامه، فبالتأكيد سيقرر هذا الغربي أن ثمة علاقة سببية بين الإسلام وذلك الوضع المهين.. وهنا سيتحوّل الإسلاموفوبيا إلى حقيقة لها أسانيدها المنطقية! ولن يمكن لأي منا أن يقول إنها مرض نفسي أو وهم أو افتراء من بعض أصحاب المصالح!