المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : امرأة هاربة من جرح ,, لــ: فاروق جويدة ..


Eng_Badr
18-12-2010, 12:52 PM
امرأة هاربة من جرح



[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

قالت:لا أريدك أن تسألني عن نفسي..أنا لا أحب أن أعرف عنها شيئا،فأنا امرأة هاربة من نفسي إلى الناس،أحب الناس كثيرا أشعر بينهم أنني أنسى كل شيء في حياتي هذا الزحام يشدني دائما إليه،لا أريد أن أترك لحظه واحدة من عمري تضيع بدون الناس،أريد أن أعيش العمر كاملا طولا وعرضا..أذوب فيهم تماما،يقتحمون صمت أيامي ويزلزلون سكون وحدتي..
ما أجمل أن يحاصرك الزحام وتجد نفسك مشغولا،لا وقت لديك لكي تفكر في شيء حتى نفسك..حاول أحيانا أن تنسى نفسك اتركها تماما للأخرين.


قلت:أنتي تهربين من نفسك إلى الناس وأنا أهرب من الناس إلى نفسي..وهذا هو الفرق بيننا..أنتي امرأة تعشقين الزحام وأنا رجل أحب أحيانا أن أمارسي عشقي الشديد للوحدة.
مع نفسي أرى الأشياء أعمق وأوسع وأشمل..مع نفسي أصبح كل شيء..يتجسد كل هذا الكون أمامي في هذا الكائن الصغير..ومع الناس أشعر أنني جزء ضئيل في هذا العالم الفسيح.
زحام الناس حولي يسلبني خصوصيتي،يبعثرني..فأجد نفسي مشاعا..هذا يقتطع جزءا مني وهذا يسلب الجزء الآخر،ومع نهاية كل يوم يحاول الإنسان أن يلملم نفسه من بين أيدي الأخرين.
مع نفسي أملك كل الأشياء..مع الناس يملكني أي شيء،وليس معنى ذلك أنني أدعو إلى الابتعاد عن الناس،فإذا كان من الخطأ أن يغرق الإنسان تماما في ذاته فمن الخطأ أيضا أن يذوب تماما في الناس..إنها معادلة صعبة أن تعطي الناس بعضا منك وأن تحافظ على البعض الآخر..ألا تغرق تماما..وألا تجلس وحيدا على الشطآن.

قالت:وما هو الفرق بيني وبينك؟

قلت:أنتي هاربة إلى الناس لأن ما كنت تحلمين به مع نفسك لم يتحقق..هناك لحظة خيانة بينك وبين ذاتك..هناك حلم اتفقتما عليه يوما ثم انكسر بينكما هذا الحلم..وكل واحد منكما يلقى المسئولية على الآخر
وأصبح الحلم جرح..وأصبح الجرح ذكرى أليمة،وكلما لاحت نفسك أمام عادت معها ظلال الجرح..
أنتي امرأة هاربة من جرح ولم تحاولي يوما أن تدواي الجرح لكي يبرأ..وزاد مع الأيام عمقا،وكلما اتسع الجرح زادت الفجوة بينك وبين نفسك.
أما أنا فلا أستطيع أن أفعل شيئا يتعارض مع نفسي مهما كانت ضرورته..لم أورطها يوما في شيء لا ترغب فيه..ولهذا أنا حريص عليها وهى حريصة علي..لابد أن نتصافح كل صباح وأن نراجع حسابات يومنا مع غروب الشمس..يذكر كل منا أخطاءه بلا حرج..ونتحدث عن أحلامنا التي ضاعت وأيامنا التي سقطت،وأحباب فارقونا وأصدقاء خانونا،وررفاق تخلوا عنا في منتصف الطريق!
نحزن معا ونشعر أن حزننا واحد،ونحلم معا ونشعر أن حلمنا واحد؛وكثيرا ما يشدنا زحام الناس والحياة ونفترق وسط هذا الزحام ولكنني سرعان ما أعود إليها في نهاية يوم متعب ثقيل وأنا أكثر شوقا للتوحد معها فأحكي لها ما كان منهم..وما كان مني،إننا قليلا ما نختلف.
أما زحام الناس فلا أقدر عليه ولا أستطيع أن أترك نفسي لهم وقتا طويلا تتجاذبني الأيدي وتطاردني العيون وتتسابق أمامي أسراب الزيف؛أحب الإلتئام مع نفسي،وإذا ذهبت إلى الناس أذهب إليهم عن إقتناع وإختيار..ولا أقبل أن أجد نفسي مضطرا لأن أجامل سفيها أو أن أتنازل أمام من لا يساوي،أو أعطي من لا يستحق،أو أقدر من ليس أهلا للتقدير.
وزحام الناس يفرض بعض التنازلات وأنا لا أحب لغة التنازلات،أحب أن أكون نفسي قبل أي شيء آخر.

قالت:ومتى أتصالح وأعود إلى نفسي؟

قلت:إذا جمعكما حلم جديد.

قالت:وما هذا الحلم؟

قلت:حب جديد ..!!

قالت:ولكن السفن جميعا تحطمت على الشاطيء ولم يعد من حقي الرجوع.!

قلت:حتى لو كانت السفن قد تحطمت..لا ينبغي أبدا أن ننسى روعة الأمواج وزرقة البحر ساعة الغروب..!!

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
.. فــــــــــاروق جويــــــــــدة ..