المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدفاع عن السنة


Eng_Badr
02-12-2010, 12:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الدفاع عن السنة

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المربين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد وضع الله - عز وجل - سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالمقام الأسمى، والمحل الأرفع، إذ أوكل إليه - صلى الله عليه وسلم - مع مهمة البلاغ، وظيفة التبيين، فقال تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم...)) [النحل:44].
والبيان اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في قوله تعالى: ((ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)) [الأنعام: 82]، هو الشرك (1).
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله (2).
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فينزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره (3).
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويزيل أثر الخلوق (4).
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال كما حرم عليهم لحوم الحمر (5) والمتعة (6).
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
الثامن: بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب - سبحانه وتعالى- على رسوله في بيانها؛ كقوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلك))[النساء:24]، فالحل موقوف على شروط النكاح، وانتفاء موانعه، وحضور وقته، وأهلية المحل، فجاءت السنة ببيان ذلك كله.
فكل ما شرعه - صلى الله عليه وسلم - للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغ عنه من كلامه المتلو وبين وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا (7).
وإذا كانت تلك منزلة السنة وهذه أهميتها، فإن إنكارها، والاعتداء عليها، والعبث بها، والتشكيك في حجيتها، واختلاق الأكاذيب حولها، وهو ما سعت إليه الفرق المنحرفة قديمًا، ويسعى إليه المنحرفون حديثًا، كل ذلك يعد أمرًا بالغ الخطورة، إذ إن ذلك يترتب عليه فتح أبواب شر تقوض بنيان الإسلام، وذلك لما يلي:
أولاً: أن الأحكام الشرعية العلمية الأصولية "العقائد" يتوقف بيانها وتفاصيلها على السنة النبوية بعد القرآن الكريم ومعه ، فإنكار السنة النبوية يهدد العقائد بالبتر والإبهام، فيمس ما يتعلق بالإلهيات، والنبوات، والسمعيات، وما سوى ذلك من مسائل العقائد، فهل يقام دين على عقائد مبتورة مبهمة؟!
ثانيًا: القضاء على أصول الأحكام الشرعية العملية "أصول الفقه الإسلامي"؛ لأن هذا العلم يتصدى للأدلة التي تبنى عليها الأحكام، وقد أجمع الأصوليون على أن السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وعلى هذا فإنكار السنة النبوية يجعل الفقه الإسلامي في مهب الرياح؛ لعدم ارتكازه على أدلة، ولافتقاره إلى أسس.
ثالثًا: تحطيم فقه الفروع "المذهبي والمقارن" لأن جل المسائل الفقهية والوقائع تستند إلى السنة النبوية إما بالبيان والإيضاح؛ كمواقيت وأعداد وهيئات الصلوات المفروضة، وإما بالاستقلال مثل كفارة من أفسد صوم رمضان، وعقوبتي شارب المسكر والمرتد، والآداب والسلوكيات وفضائل الأعمال وغير ذلك.
رابعًا: تشويه علوم القرآن الكريم لاستنادها في كثير من قضاياها على السنة النبوية، وتهديد علم التفسير لارتكازه في جل ما يعرض له على السنة النبوية (8).
وهكذا فإن إنكار السنة يمهد السبل للتشكيك في القرآن نفسه، ويعطل الآيات التي تحث وتحض على اتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، واتخاذه قدوة، وتحكيمه، والرضا بحكمه، وإيثار طاعته على ما سواه، حتى تمسي الأمة بغير تشريع واضح المعالم، قوي الدلالة؛ إذ قد تعرضت أصول التشريع وفروعه للافتراء والاجتراء.
إن الطعن في السنة النبوية هدم للإسلام في عقائده، وعباداته، ونظمه، وأخلاقه، وهدم لوحدته، وسبب في تخلف المسلمين عن ركب الحضارة.
يقول الأستاذ محمد أسد: " لقد كانت السنة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلالنا الحاضر؟. إن العمل بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام.
لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ (9).
وهذا ما يخطط له أعداء الإسلام، سواء الظاهرون العداوة له المتظاهرون عليه، أو اللابسون عباءته بهتانًا وزورًا، ولكن وإن سعوا ما أمكنهم، فلن يصلوا إلى هدفهم المنشود، وغايتهم المطلوبة، بل سيظلون يتخبطون تخبطًا عشوائيًا في متاهات مظلمة، كثيرة الالتواء، صعبة المخرج، إلى أن يموتوا غيظًا، وكمدًا، وحقدًا؛ لأن الله - عز وجل - تكفل بحفظ دينه من كل من يريده بسوء، وحفظ أهله من كل من يريدهم بشر، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ((يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)) [التوبة:32-33].
وما شأن شراذم البغي - قديمًا وحديثًا - ومحاولاتهم للنيل من السنة المطهرة إلا كشأن من قال عنه الأعشى:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنَه الوَعِلُ
وهم ببغيهم وافترائهم واعتدائهم وتزييفهم وقالتهم الكاذبة، إنما يظلمون أنفسهم ودينهم: ((وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) [الشعراء:227].
وفي هذه الزاوية سنقف مع اختلاقهم وأكاذيبهم، وسنعرض لشبهاتهم وافتراءاتهم، داحضين لها، مفندين إياها، ليتضح الحق، ويفتضح الباطل، والله نستمد منه العون، ونسأله التوفيق. ((وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)).


الهوامش:
(1) صحيح البخاري:(32)، وصحيح مسلم: (327).
(2) صحيح مسلم: (613).
(3) صحيح البخاري: (4745).
(4) صحيح البخاري: (1789)، وصحيح مسلم: (1180).
(5) أبو داود: (4604)، والترمذي: (2663)، وابن حبان:(12)، وصححه الحاكم: (1/ 109)، وأقره الذهبي.
(6) صحيح البخاري: (4216)، وصحيح مسلم: (1407).
(7) إعلام الموقعين: (4/ 97- 104).
(8) السنة النبوية- دكتور أحمد كريمة، ص: 27، 28.
(9) الإسلام على مفترق الطرق، ص: 87.

اللهم اغفر لكاتبها وناقلها,وقارئها واهلهم وذريتهم واحشرهم معا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم